أنور سعدان
01/09/2026، 11:03 ص
مصر، أم الدنيا وممهد الحضارات، تمثل بقعة استثنائية تقاطعت فيها أطراف التاريخ البشري، واقترنت بذكر مبارك في القرآن الكريم والسنة المطهرة، لتكون محطة مركزية للأنبياء والرسل، ومنارة كبرى في قلب العالم الإسلامي والسياسي عبر العصور. أولاً: مصر في مسيرة الأنبياء والرسل (الذكر القرآنی والتاريخي) حظيت أرض الكنانة بشرف استقرار أو مرور عدد جليل من أنبياء الله ورسله، والذين شكلت محطاتهم ركائز في التاريخ الديني لمصر: إبراهيم الخليل عليه السلام: زار مصر رفقة زوجته سارة هرباً من الجدب، وفيها أُهديت له السيدة هاجر المصرية التي أصبحت أم إسماعيل عليه السلام، جد العرب الأنبياء. يوسف الصديق عليه السلام: عاش حقبة مفصلية في تاريخ مصر الإداري والاقتصادي، حيث تدرج من السجن إلى ولاية خزائن مصر واقتصادها (عزيز مصر)، ونجا بالبلاد والمنطقة برمتها من مجاعة استمرت سبع سنوات بفضل الله وحسن تدبيره. يعقوب عليه السلام وأهله (بنو إسرائيل): ارتحل نبي الله يعقوب مع أهله وعائلته إلى مصر استجابة لدعوة ابنه يوسف، واستقروا فيها، ومنها تكاثر نسل بني إسرائيل لاحقاً. موسى وهارون عليهما السلام: وُلد موسى ونشأ في قصر فرعون مصر، وتلقى الألواح في سيناء (الطور)، وشهدت أرض مصر مواجهته لفرعون ومعجزات العصا واليد وانشقاق البحر لنجاة المؤمنين وغرق الطاغية، ومعه أخوه هارون وزيرُه ومعاونه. يوشع بن نون عليه السلام: تشير المصادر التاريخية والتفسيرية إلى أن فتى موسى ونبي الله يوشع بن نون وُلد أو عاش جزءاً من حياته على أرض مصر وخرج منها مع موسى. عيسى بن مريم وأمه العذراء مريم عليهما السلام: دخلا مصر معاً في رحلة العائلة المقدسة هرباً من بطش الملك هيرودس، وتجولا في ربوعها من سيناء والدلتا حتى صعيد مصر، مباركين أرضها لسنوات عدة. ثانياً: العصور القديمة: فجر الحضارة وبناء الدولة الفرعونية واليونانية العصر الفرعوني (حوالي 3100 ق.م - 332 ق.م): انطلق التاريخ السياسي المنظم لمصر على يد الملك نارمر (مينا) مؤسس أول أسرة حاكمة بتوحيد الوجهين البحري والقبلي. انقسم هذا العصر إلى الدولة القديمة (بناة الأهرامات)، والدولة الوسطى (الرخاء)، والدولة الحديثة (الإمبراطورية والملوك العظام كرمسيس الثاني وتحتمس الثالث)، واشتهرت الحضارة بالعلوم والهندسة والكتابة الهيروغليفية. العصر اليوناني والروماني (332 ق.م - 641 م): دخل الإسكندر الأكبر مصر عام 332 ق.م وأسس الإسكندرية، تلاه حكم البطالمة حتى كليوباترا السابعة، ثم تحولت إلى ولاية رومانية وبيزنطية شهدت دخول المسيحية وانتشارها الواسع. ثالثاً: العصر الإسلامي: مصر كقلب الأمة النابض فتح الله مصر في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب سنة 20 هجرية (641 ميلادية) بقيادة الصحابي الجليل عمرو بن العاص، لتتحول إلى قلعة من قلاع الإسلام: عصر الولاة والدول المستقلة: إدارتها كولاية إسلامية كبرى، ثم استقلالها نسبياً عبر الدولة الطولونية والدولة الإخشيدية اللتين طورتا بنيتها الاقتصادية والعمرانية. العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي: أسس الفاطميون القاهرة وبنوا الجامع الأزهر (969 م) ليكون درة العلوم الإسلامية. جاءت الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي لتعيد مصر إلى المنهج السني وتوحد الجبهة الإسلامية ضد الصليبيين. بلغ المماليك الذروة حين حمَوا العالم الإسلامي من خطر المغول المدمر في عين جالوت (1260 م) وطردوا الصليبيين نهائياً، تاركين إرثاً معمارياً فريداً في القاهرة. رابعاً: العصر الحديث والمعاصر: بناء الدولة ومحطات التحرر الحملة الفرنسية والأسرة العلوية (1798 - القرن 19): هزت حملة نابليون السكون العثماني، وفي عام 1805 تولى محمد علي باشا ليضع حجر الأساس لمصر الحديثة بجيشها ونظامها الإداري والتعليمي والصناعي. الاحتلال البريطاني والحركة الوطنية: دخلت مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882 إثر أزمات الديون والتدخل الأجنبي، وقاومت الاحتلال بثورات مجيدة مثل ثورة عرابي ثم ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول طلباً للاستقلال. ثورة 23 يوليو والجمهورية: أطاحت ثورة الضباط الأحرار عام 1952 بالنظام الملكي وأعلنت الجمهورية، وشهدت تأميم قناة السويس، وصراع التحرير، وصولاً إلى حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 لاسترداد سيناء، ومروراً بتحولات سياسية كبرى حتى ثورة 25 يناير 2011 ومسيرة التنمية والبناء المعاصرة. هكذا تظل مصر، عبر رحلتها الممتدة منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، كتابًا مفتوحًا تتشابك في صفحاته حضارات عريقة، وخطى مباركة لأنبياء الله، ومحطات كبرى صنعت مجد الإنسانية. إنها أرض جمعت بين أصالة الماضي وعراقة الحاضر، لتستمر أبد الدهر حصناً منيعاً وقلباً ناطقاً بالمجد والتاريخ.

