الحلقة العشرون: الحركة الوطنية ونفي محمد الخامس بعد أن استقر الاستعمار في المغرب، لم يعد الرد بالسلاح وحده ممكنًا، فبدأ جيل جديد من المتعلمين المغاربة يخوض المعركة بطريقة مختلفة: الصحافة، والمدارس الحرة، والجمعيات، والعمل السياسي. شرارة الظهير البربري (1930) في 16 ماي 1930 أصدرت سلطات الحماية ظهيرًا (مرسومًا) ينظّم القضاء في المناطق الأمازيغية بعيدًا عن القضاء الشرعي المعتاد. رأى المغاربة، عربًا وأمازيغ، أن الهدف هو تقسيم الشعب الواحد إلى فئتين. فخرجت الاحتجاجات في سلا وفاس والرباط، وكان الناس يجتمعون في المساجد ويقرؤون دعاء "اللطيف" طلبًا للفرج. كان ذلك أول موقف شعبي موحّد في وجه الحماية، وعُدّ ميلاد الحركة الوطنية الحديثة. من الاحتجاج إلى المطالب (1934) في سنة 1934 قدّم شباب وطنيون، منهم علال الفاسي ومحمد اليزيدي ومحمد حسن الوزاني وأحمد بلافريج، وثيقة سُميت "مطالب الشعب المغربي". لم تطلب الاستقلال بعد، بل طالبت بإصلاحات: التعليم للجميع، والمساواة في القضاء، وإنهاء الاستيلاء على الأراضي، وإشراك المغاربة في الإدارة. رفضت فرنسا هذه المطالب، فتحوّل الخط تدريجيًا نحو المطالبة بالاستقلال. ونُفي علال الفاسي إلى الغابون تسع سنوات، لكن صوته ظل يصل إلى الناس. وثيقة الاستقلال (1944) في دجنبر 1943 تأسس حزب الاستقلال، وفي 11 يناير 1944 قدّم قادته إلى السلطان والمقيم العام "وثيقة المطالبة بالاستقلال"، وهي أول مرة يُكتب فيها هذا المطلب رسميًا. ردّت فرنسا باعتقال عدد من الموقعين، فاندلعت مظاهرات في فاس والرباط وسلا قُتل فيها عدد من المواطنين. ومنذ ذلك اليوم صار 11 يناير عيدًا وطنيًا يُحتفى به كل سنة. السلطان محمد الخامس يقف مع شعبه كان محمد الخامس قد تولى العرش سنة 1927 وهو شاب في الثامنة عشرة، وظنت فرنسا أنه سيكون سلطانًا مطيعًا. لكنه اقترب تدريجيًا من الحركة الوطنية. في يناير 1943 حضر لقاءً في أنفا بالدار البيضاء مع الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل، وسمع من روزفلت كلامًا متعاطفًا مع حق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي 9 أبريل 1947 ألقى خطابه الشهير في طنجة، أكّد فيه انتماء المغرب إلى العالم العربي والإسلامي، وتجاهل فيه الثناء المعتاد على فرنسا، فغضبت السلطات الاستعمارية. الأزمة تتصاعد (1952-1953) في دجنبر 1952 اغتال متطرفون فرنسيون النقابي التونسي فرحات حشاد، فخرج عمال الدار البيضاء في احتجاجات واسعة، وقمعتها القوات الفرنسية بعنف شديد وسقط عشرات القتلى. بعدها ازدادت الضغوط على السلطان. وقاد الباشا التهامي الكلاوي، حاكم مراكش الموالي لفرنسا، حملة لجمع توقيعات تطالب بخلع محمد الخامس، بدعم من المقيم العام الجنرال غيوم. 20 غشت 1953: النفي في فجر 20 غشت 1953 حاصرت القوات الفرنسية القصر ونقلت محمد الخامس وأسرته بالطائرة إلى منفى في كورسيكا، ثم في يناير 1954 إلى مدغشقر البعيدة. ونصّبت فرنسا مكانه محمد بن عرفة، لكن الشعب لم يعترف به سلطانًا. انتشرت بين الناس حكاية أن صورة الملك المنفي ظهرت على وجه القمر، وهي رمز لتعلّق المغاربة العميق به. ردّ الشعب: ثورة الملك والشعب لم يسكت المغاربة، فبدأت مقاومة حضرية مسلحة في المدن، ونُفذت هجمات ضد رموز الاحتلال والمتعاونين معه، ومنها محاولة اغتيال ابن عرفة في مراكش في شتنبر 1953 على يد علال بن عبد الله. ونشأت تنظيمات سرية للمقاومة، وامتلأت المساجد والبيوت بالدعاء لعودة السلطان. وهكذا صار يوم 20 غشت عيدًا وطنيًا باسم "ثورة الملك والشعب"، لأن الملك والشعب تحمّلا معًا كلفة الكفاح. 📌 في الحلقة القادمة: كيف اشتعلت المقاومة المسلحة، وكيف أُجبرت فرنسا على إعادة محمد الخامس، وكيف نال المغرب استقلاله سنة 1956؟