الحلقة التاسعة عشرة: الاستعمار الفرنسي والإسباني في مطلع القرن العشرين، كانت "المسألة المغربية" تُحسم في الكواليس الأوروبية بمعزل عن المغاربة. ففي سنة 1904 عقدت فرنسا وبريطانيا "الاتفاق الودي" الذي اعترفت فيه بريطانيا بنفوذ فرنسا في المغرب مقابل اعتراف فرنسا بنفوذ بريطانيا في مصر، وأبرمت فرنسا وإسبانيا اتفاقًا سريًا لاقتسام مناطق النفوذ. أما ألمانيا فاعترضت، فزار قيصرها غيوم الثاني طنجة سنة 1905 مؤكدًا دعمه لاستقلال المغرب، لتنتهي الأزمة بمؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، الذي أقرّ رسميًا مبدأ استقلال المغرب، لكنه منح فرنسا وإسبانيا امتيازات في الأمن والشرطة والمالية. بدأ التدخل الفعلي سنة 1907، حين قُتل عمال أوروبيون في الدار البيضاء، فقصفت البحرية الفرنسية المدينة واحتلتها، وفي السنة نفسها احتل الفرنسيون وجدة. زادت الأزمة المالية من ضعف الدولة، وانتهى الأمر بخلع السلطان عبد العزيز وتولية أخيه مولاي عبد الحفيظ سنة 1908، وسط غضب شعبي من تنازلات المخزن. وفي سنة 1911 انتفضت القبائل حول فاس، فدخلت القوات الفرنسية العاصمة بحجة حماية الأجانب. وأرسلت ألمانيا الزورق الحربي "بانتر" إلى أكادير في "أزمة أكادير"، ثم تراجعت مقابل تعويضات لها في إفريقيا الوسطى. في 30 مارس 1912 وُقّعت معاهدة فاس، التي فرضت الحماية الفرنسية على المغرب، وأبقت السلطان شكليًا على العرش. وبعد أشهر، اتفقت فرنسا وإسبانيا على تقسيم البلاد: منطقة فرنسية تضم الوسط والجنوب والشرق، ومنطقة إسبانية في الشمال (الريف) وفي الجنوب (طرفاية)، ومنطقة طنجة التي أُعطيت لاحقًا نظامًا دوليًا خاصًا. وتولى الجنرال ليوطي منصب أول مقيم عام فرنسي، فنقل مركز الحكم من فاس إلى الرباط، وأقام إدارة استعمارية موازية للمخزن. لكن المغاربة لم يستسلموا، وبدأت المقاومة منذ الأشهر الأولى: أحمد الهيبة: ابن الشيخ ماء العينين، أعلن نفسه سلطانًا في تزنيت، وانطلق بجيوش من الصحراء والجنوب حتى دخل مراكش سنة 1912، قبل أن يهزمه الجيش الفرنسي في سيدي بوعثمان. موحى أوحمو الزياني: قاد مقاومة قبائل الأطلس المتوسط، وأحرز انتصارًا شهيرًا في معركة الهري سنة 1914 كبّد الفرنسيين خسائر كبيرة، واستمر في المقاومة حتى استشهاده سنة 1921. عسو أوبسلام: قاد مقاومة الأطلس الكبير الشرقي، وكانت آخر المعارك الكبرى في جبال صاغرو (بوكافر) سنة 1933، لتُعلن فرنسا بعدها إتمام "التهدئة". أما في الشمال، فقد كتب عبد الكريم الخطابي صفحة استثنائية. هذا القاضي الريفي، ابن قبيلة بني ورياغل، قاد سنة 1921 مقاتلي الريف إلى نصر ساحق على الجيش الإسباني في معركة أنوال، فتكبدت إسبانيا خسائر بشرية فادحة، وأقام الخطابي كيانًا سياسيًا مستقلًا عُرف بـ"جمهورية الريف"، بمؤسسات وإدارة وجيش، وابتكر أساليب حرب العصابات في الجبال. ولمواجهته اضطرت فرنسا وإسبانيا إلى تحالف عسكري مشترك، وأنزلتا جيشًا ضخمًا مدعومًا بالطيران والمدفعية سنة 1925، واستسلم الخطابي في مايو 1926 فنُفي إلى جزيرة لاريونيون، ثم غادرها سنة 1947 ليستقر في القاهرة ويواصل نضاله من هناك. وباتت البلاد بعد سنة 1934 خاضعة كليًا للحماية، لكن جذوة المقاومة لم تنطفئ، إذ انتقلت من ساحة السلاح إلى ساحة السياسة والفكر، حين صدر سنة 1930 "الظهير البربري" الذي رأى فيه المغاربة محاولة للتفريق بين أبناء الوطن، فأشعل موجة احتجاج وطنية كانت ولادة الحركة الوطنية الحديثة. 📌 في الحلقة القادمة: كيف نشأت الحركة الوطنية المغربية، ولماذا نفت فرنسا السلطان محمد الخامس سنة 1953، وكيف ردّ الشعب على ذلك؟