يُحكى أن رجلاً من علماء النحو واللغة كان شديد التكبر بعلمه، يرى أن من لا يعرف قواعد النحو والصرف لا قيمة لحياته. ركب هذا النحوي يوماً في قارب صغير ليعبر به نهراً واسعاً، وكان يقود القارب مَلاّحٌ بسيط يرتدي ثياباً رثة ويعمل بجد ليكسب قوته. أراد النحوي أن يتسلى في الطريق ويستعرض علمه على هذا المسكين، فنظر إليه بوقار مصطنع وسأله: "يا هذا، هل تعرف شيئاً من علم النحو؟" نظر إليه الملاّح ببساطة وقال: "لا والله يا سيدي، أنا رجل أمّي، لا أعرف سوى قيادة هذا القارب وتوجيه الشراع." تنهد النحوي تحسراً، وهز رأسه وقال بتكبر: "واأسفاه! لقد ذهب نصف عمرك ضياعاً دون فائدة!" حزن الملاّح البسيط وضاق صدره من كلام النحوي المغرور، لكنه كتم غيظه وسكت، ولم يرد عليه بكلمة، وتابع عمله في قيادة القارب بصمت. بعد أن وصل القارب إلى منتصف النهر، هبت فجأة عاصفة هوجاء شديدة، واشتدت الرياح وتلاطمت الأمواج العاتية، وبدأ القارب يتأرجح بقوة ويمتلئ بالماء، وأصبح على وشك الغرق في أي لحظة. هنا، التفت الملاّح الذكي إلى النحوي، وكان النحوي يرتجف خوفاً، واصفرّ وجهه، وتجمدت الدماء في عروقه من الرعب. ابتسم الملاّح وقال له بصوت عالٍ ليسمعه وسط صوت الرياح: "يا عالم النحو، أخبرني يرحمك الله، هل تعرف علم السباحة؟!" 😂 تمسك النحوي بجوانب القارب وهو يبكي ويصرخ: "لا والله.. لا أعرف السباحة! أنقذني! "إذاً يا سيدي، لقد ذهب عمرك كله ضياعاً وليس نصفه فقط! فماذا سيفيدك النحو الآن والقارب يغرق؟!" العبرة : "جميعا نكمل بعضنا بعض، ولكل شخص تخصصه، فلا داعي أن نتكبر وصيبنا الغرور"