الحلقة الحادية والعشرون: الاستقلال سنة 1956 بعد نفي محمد الخامس في غشت 1953، دخل المغرب مرحلة اضطراب متصاعد لم تتوقعها فرنسا، فبدل أن يهدأ الوضع بغياب السلطان، اشتعلت المقاومة أكثر. **تصاعد الكفاح المسلح** انتشرت خلايا المقاومة السرية في المدن الكبرى، الدار البيضاء وفاس والرباط، ونفّذت عمليات ضد الجنود الفرنسيين والمتعاونين معهم. وفي المناطق الجبلية، خاصة في الأطلس المتوسط وأحواز مدينة أزيلال والريف، بدأ يتشكل تنظيم مسلح أكثر تنظيمًا عُرف لاحقًا باسم "جيش التحرير المغربي"، متأثرًا بتجربة الكفاح المسلح في المنطقة، ومتحضرًا لدعم الثورة الجزائرية التي اندلعت بدورها في نونبر 1954. تزايدت كلفة استمرار الاحتلال على فرنسا، التي كانت في الوقت نفسه غارقة في حرب الهند الصينية ثم مواجهة بداية الثورة الجزائرية، ولم تعد قادرة على تحمّل جبهة مغربية مشتعلة إلى جانب ذلك. **تراجع فرنسي واضطراري** أمام هذا الوضع، بدأت فرنسا تدرك أن نفي محمد الخامس لم يُخمد الحركة الوطنية بل قوّاها ووحّد الشعب خلف ملكه الشرعي أكثر من أي وقت مضى. وفي أكتوبر 1955 عُقد مؤتمر "إيكس ليبان" في فرنسا، حيث اجتمع مسؤولون فرنسيون بممثلين مغاربة، وتقرر فيه المبدأ الذي بدا مستحيلاً قبل عامين فقط: عودة محمد الخامس إلى عرشه. **عودة الملك (16 نونبر 1955)** في 16 نونبر 1955 عاد محمد الخامس إلى الرباط وسط استقبال شعبي ضخم لا يزال يُحتفى بذكراه كل عام باسم "عيد العودة". ألقى الملك خطابًا مهمًا أعلن فيه نهاية نظام الحماية والتوجه نحو الاستقلال الكامل، مع دعوة إلى بناء نظام ديمقراطي حديث للبلاد. **إعلان الاستقلال (2 مارس 1956)** بعد مفاوضات سريعة، وقّعت فرنسا والمغرب في 2 مارس 1956 الإعلان المشترك الذي أنهى رسميًا معاهدة الحماية لسنة 1912، ليستعيد المغرب سيادته الكاملة على المنطقة الخاضعة للنفوذ الفرنسي. وبعد أسابيع قليلة، في 7 أبريل 1956، وقّعت إسبانيا بدورها اتفاقًا مماثلاً أنهت بموجبه حمايتها على شمال المغرب، تلتها لاحقًا استعادة منطقة طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969، فيما ظلت مدينتا سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية إلى اليوم. **بناء الدولة المستقلة** فور الاستقلال، بدأ محمد الخامس بناء مؤسسات الدولة الحديثة: تشكيل جيش وطني موحّد من جيش التحرير والقوات المساعدة السابقة، وإنشاء إدارة مغربية بديلة عن الإدارة الاستعمارية، والتحضير لدستور ومؤسسات تمثيلية. توفي محمد الخامس فجأة في فبراير 1961 إثر عملية جراحية بسيطة، تاركًا إرثًا راسخًا كرمز لوحدة العرش والشعب، ليخلفه على العرش ابنه الحسن الثاني. يُحتفل في المغرب اليوم بعيد الاستقلال في 18 نونبر من كل عام (وهو يوم عيد العرش الذي اختاره محمد الخامس ليتزامن مع ذكرى تنصيبه، بعد عودته بيومين)، بينما يبقى 2 مارس التاريخ الرسمي لتوقيع وثيقة الاستقلال. 📌 في الحلقة القادمة : كيف تطور المغرب المعاصر منذ عهد الحسن الثاني إلى عهد محمد السادس، وأبرز محطاته السياسية والاجتماعية؟