الحلقة السادسة: الفتح الإسلامي - عقبة بن نافع وموسى بن نصير في منتصف القرن السابع الميلادي، وبعد أقل من عقدين من وفاة النبي محمد ﷺ، كانت الفتوحات الإسلامية قد وصلت بالفعل إلى مصر وليبيا الحالية. لكن التقدم غربًا نحو بلاد المغرب (التي كانت تُعرف حينها باسم "إفريقية" في أجزائها الشرقية) لم يكن سهلاً، إذ واجه المسلمون مقاومة شديدة من البيزنطيين المتمركزين في السواحل، ومن القبائل الأمازيغية القوية في الداخل التي لم تكن لتقبل بسهولة أي سلطة خارجية جديدة، كما أثبتت مع الرومان من قبل. كانت المحاولات الأولى للفتح محدودة النطاق، إلى أن جاء القائد عقبة بن نافع الفهري، الذي يُعد الشخصية الأبرز في هذه المرحلة. أسّس عقبة سنة 670 ميلادية مدينة القيروان في تونس الحالية، لتكون قاعدة عسكرية وإدارية ثابتة للجيوش الإسلامية، بدل الاكتفاء بحملات موسمية متقطعة كما كان الحال سابقًا. من القيروان، انطلق عقبة بن نافع في حملته الشهيرة نحو الغرب سنة 682 ميلادية، متوغلاً عبر أراضي المغرب الحالي دون أن يلقى مقاومة تُذكر في البداية، حتى وصل إلى ساحل المحيط الأطلسي عند مدينة "طنجة" ثم إلى منطقة "السوس" جنوبًا. تروي المصادر التاريخية أن عقبة بن نافع، حين وصل إلى شاطئ المحيط الأطلسي، اقتحم بفرسه المياه قائلاً بأنه لو وجد طريقًا ليتابع الفتح لواصل السير في سبيل الله، في مشهد أصبح رمزيًا في الذاكرة التاريخية الإسلامية يُجسّد اتساع الفتوحات من المحيط إلى حدود الصين. لكن هذا التقدم السريع لم يكن مستقرًا، فقد كانت السيطرة الفعلية على المناطق التي عبرها عقبة هشة، إذ لم يترك خلفه حاميات كافية لتثبيت الحكم. وفي طريق عودته شرقًا، تعرض لكمين نصبه له زعيم أمازيغي يُدعى "كسيلة" بالتحالف مع البيزنطيين، فاستُشهد عقبة بن نافع سنة 683 ميلادية قرب مدينة "تهودة" في الجزائر الحالية، لتشهد المنطقة بعدها سنوات من الاضطراب وتراجع النفوذ الإسلامي مؤقتًا. استغرق الأمر أكثر من عقدين قبل أن يتمكن القائد موسى بن نصير، والي إفريقية من قبل الدولة الأموية، من استكمال فتح المنطقة بشكل أكثر ثباتًا ابتداءً من سنة 705 ميلادية تقريبًا. اعتمد موسى بن نصير استراتيجية مختلفة عن عقبة، قائمة على التفاوض والتحالف مع زعماء القبائل الأمازيغية بقدر ما اعتمد على القوة العسكرية، مما ساهم في ترسيخ الحكم الإسلامي بشكل أعمق وأكثر استقرارًا هذه المرة. ومن أبرز نتائج هذه المرحلة أن اعتنق كثير من الأمازيغ الإسلام، وبرز من بينهم قادة عسكريون وإداريون بارزون، أشهرهم على الإطلاق طارق بن زياد، الذي سيقود لاحقًا الجيوش الإسلامية لعبور المضيق وفتح الأندلس سنة 711 ميلادية، في واحدة من أهم المحطات في تاريخ المنطقة والعالم. 📌 في الحلقة القادمة: لماذا ثار الأمازيغ ضد الحكم الأموي بعد سنوات قليلة من الفتح، ومن هو ميسرة المطغري الذي قاد أول ثورة كبرى في المغرب الإسلامي؟