شئ مما أهمله التاريخ :- السياسات الإقتصادية للدولة والثورة المهدية :- سياسة الخليفة عبد الله الاقتصادية :- ان الصراعات الداخلية كان لها أكبر الأثر في سياسة الخليفة الاقتصادية وقد أدى صراع الخليفة مع الاشراف ومحاولته لتوطيد سلطته واضعاف خصومه إلى جلب قبائل البقارة من موطنها في غرب السودان إلى العاصمة والمنطقة النيلية وقد كان لهذا أثر كبير على اقتصاديات البلاد ولعله يكون سبباً هاما لما أصاب المزارعين في الجزيرة من ضيق وسبباً آخر من اسباب مجاعة سنة 1306هـ وواضح ما ذهب اليه بعض المؤرخين من أن حملة النجومي كانت جزء من هذا الصراع ، فإن آثار تلك الحملة على مزارعي الشمال ومساهمتها في تفاقم المجاعة تعد من الآثار الاقتصادية السيئة لحكم الخليفة وسنحاول تناول أهم سياساته وآثارها فيما يلي:ـ مجاعة سنة 1306هـ : لعل أهم احداث عهد الخليفة الاقتصادية كانت مجاعة سنة 1306هـ والتي صارت سيرتها مضرباً للأمثال بين الناس، وقد ورد حولها قصص وروايات كثيرة. ولكن ما يهمنا هنا هو أن نحاول معرفة اسبابها وآثارها على القوة الإنتاجية للبلاد. يقول مكي شبيكه "كان للخليفة بعد أن اصطفى أخاه أن يسند مركزه بقبائل البقارة فأمر برحيلهم من ديارهم في أقصى الغرب إلى امدرمان في مكان يحيطون بمنزله وبنى لهم سوراً عظيماً بمثابة حصن يحميهم ويرد عليهم الهجوم وقامت أفواجهم من تعايشه ورزيقات وهبانية وحمر ومسيرية وغيرهم ميمة وجهها شطر بقعة المهدي أمدرمان تلبية لنداء الخليفة بنسائهم وعيالهم وما يمتلكون من ماشية وكان عليهم وهم في طريقهم صوب العاصمة أن يتقدموا بما يقدمه لهم السكان أن لم يكن عن رضى واختيار فبالقوة وكان هذا ما وسع الشقة بين البقارة وأهل النيل. وما كان من الطبيعي أن يرحل هذا العدد الضخم من الناس ليجتمع في بقعة واحدة ويعيش على بيت المال الإ أن يكون نذيراً بنفاذ المقادير المخزونة من أقوات وفوق ذلك فقدت البلاد قوتهم الإنتاجية، فاستنفذوا غلة الجزيرة وقد حسبت عليهم وتعاونت معهم الطبيعة حيث أن حبس المطر . وأهل الجزيرة أن فسهم امر الخليفة عدداً كبيراً منهم بترحيلهم لأمدرمان وحدثت بهذا مجاعة سنة 1306هـ ، فحصدت من الأنفس كما يقال مالم تحصده حروب المهدية (شبيكه 1965 ص 263). وكتب نعوم شقير: مضى خريف 1306 هـ سنة 1888م –1889 لم يهطل مطر كافي في السودان ولازاد النيل الزيادة المعتادة . ثم جاءت سنة 1307هـ 81/1890م فأتي الجراد وأكل معظم الزرع وأحضر التعايشي أهله البقارة من الغرب كما مر فأكلوا مافي البلاد من الحبوب المذخورة فأصاب الناس في السنتين المذكورتين جوع عظيم لم يروا مثله في سالف الأعمار فأهلك منهم اضعاف ما أهلكته الحروب والأوبئة." (شقير في صفحة 1139-1140). وأورد شقير أن المجاعة عمت جميع مناطق السودان عدا فاشودا حيث سافر التجار لجلب الذرة منها ويصف هولت المسألة قائلاً: وكان حصاد 1306هـ 1888 م سيئاً ولم تكن المؤن من الحبوب كافية الإ في أواخر 1890 ويفول "وازداد الموقف سوءاً منذ البداية بسبب وجود ثلاث جيوش غير منتجة في دنقلا والقلابات ودارفور" (هولت ص 84) . وتوضح الرسائل المتبادلة بين الخليفة وقادة هذه الجيوش المشاكل التي كانت هذه الجيوش تعانيها وما تسببه من ضيق للسكان خاصة جيش النجومي في الشمال عند طلب النجومي في سنة إقامته الأولى من ابراهيم ود عدلان أمين بيت المال أن يرسل الذرة له من امدرمان ولم يكن هذا أمراً سهلاً نسبة لصعوبة المواصلات وفي صفر 1306هـ الموافق 15 اكتوبر 1888م كتب النجومي للخيفة قائلاً:ـ وبدأ عثمان آدم في الشكوى ابتداءاً من ذي الحجة 1306هـ أغسطس 1889 وكتب الزاكي طمل للخليفة أيضاً سنة 1306هـ يقول والحال ياسيدي أن الجيش بعد ماحررنا في طلوعه لأرض العدو قد تزايد به الضرر من جهة المعايش وعم ذلك الكافة صغيراً وكبيراً مجاهداً وعائلة حتى صاروا يأكلون الجيف ويلتقطون الحبوب من الأرض وفي الطرق والزابل ومحلات الرماد وهم الآن بحالة لورأها سيدي لرثى عليهم .. وتفرق الغالب (بقصد الأغلبي) منم في الجهات في التماس المعايش وبعضهم يتلقطون القشوش والأشجار من الأودية مسافة 3 أيام وأربعة.. لذلك قد أخرنا السرية من التوجه لأن الجيش اشتغل بنفسه .. وفي هذين اليومين قصدنا رسال سرية إلى جهات الصعيدية كمثل رمله ومايليه فيها 8000 رجل ، 4000 سلاح ناري و 4000 حرابه وفي رأسها عبد الرسول عمر فبذلك تحمل مداركة الجيش بما يحضرون من المواشي وهم أيضاً يتمعشون (هكذا وردت الكلمة) (شقير ص 1140). وأورد هولت أن حمدان أبو عنجه عندما رجع القلابات ووجد رجال الجيش غير مرضى أصدر أوامره بان يحضر كل المنتجين الذره إلى سوق القلابات ويحضر صغار المزارعين ممن لا تتوفر لهم دواب محاصيلهم بسوق القضارف وحظر بيع الذرة خارج المنطقة. ولم يوافق الخليفة على إجراء حمدان هذا خاصة أن الخليفة كان قد أمر أمراء بيت المال باصدار رخص للتجار لجلب الذرة من مناطق كسلا وخاف أن يشاع بعد أوامر حمدان بأن الذرة قد حظر نقلها من تلك المنطقة. ومما تقدم نستطيع أن نستخلص أسباب وآثار المجاعة أما أسابها فهي: أولاً اسباب طبيعية تتعلق بخريف عام 1888 وبراج 1889 وشح الأمطار وقلة الفيضانات وانخفاض منسوب النيل. ثانياً : هجرة البقارة من الغرب وتهجير مواطني الجزيرة ولهما أثران على المجاعة: نفاذ المخزون من الذرة بالعاصمة وتعطيل قرى منتجة كانت تساهم في الإنتاج أي أن ه زاد الطلب على المواد الغذائية في الوقت الذي قل المعروض منها. ثالثاً : وجود الجيوش الثلاثة غير المنتجة والمستهلكة في كل من دنقلا والقلابات ودارفور . خاصة أن البلاد كانت في حرب ثورية طويلة منذ 1881 حيث اختل فيها الإنتاج وكانت تحتاج لفترة سلام لإعادة الإنتاج لوضعه الطبيعي وتوفير الطعام للجيوش التي ستحارب، ولكن الخليفة لاسباب مختلفة رأي أن يرسل جيوشه لفتح مصر والحبشة. ولكن الخليفة بمنهجه الميتافيزيقي كان يرى سببا آخر للمجاعة فقد كتب إلى عماله مع يونس الدكيم في 7 محرم 1307هـ 3 سبتمبر 1881 يوقل أن المجاعة عقاب من الله للظلم فإذا لم يقف الظلم واذا لم يكف الظالمون عنه وإذا لم تطبق العقوبات الشرعية فيقع بلا شك بلاءاً أعظم. واعلموا بمقتضى هذا. أمنعوا الجيش من التعدي والظلم وتخريب الزرع ودخوله المنازل غير مسموح به (هولت ص 75 –76) الخطاب رغم منهجة الغيبي يوضح مدى التخريب الذي كان يلحقه الجيش بالناس ومدى الفوضى التي سادت المناطق المختلفة. لعل أهم آثار المجاعة هو تدمير القوى المنتجة المتمثلة في ضحايا المجاعة أكبر من عدد ضحايا حروب المهدية. ومن آثاره أيضاً زيادة الحقد والصراع بين أهالي النيل والبقاره لأن أهل النيل يعتقدون أن البقارة هم سبب المجاعة. ومن آثار الضغط الذي وقع على المزارعين وضياع محاصيلهم التي سلبتها الجيوش الجائعة أو صادرها عملاء الخليفة لترسل لامدرمان . ومن آثارها مقتل رجل من أبرع رجال الإدارة المالية في المهدية وهو ابراهيم ود عدلان الذي عمل مع أحمد ود سليمان أول أمين لبيت المال ثم خلفه في إدارة بيت المال وقد قتله الخليفة أثر خلاف معه حول مصادرة الذرة من الجزيرة (انظر شقير وهولت 1141-1142) وص 86 لمزيد من التفاصيل). ان مجاعة 1306 هـ أن هكت قوى الدولة المهدية الفتية ولم يبلغ عمرها بعد ثلاث أو أربع سنوات وزرعت في سكانها عوامل الفرقة والحقد وحطمت جزءاً هاماً من قواها المنتجة. ونواصل سياسيه الخليفه الزراعيه