الحلقة الثالثة: مملكة موريتانيا الطنجية والملك يوبا الثاني بعد سقوط قرطاج وانحسار نفوذها عن السواحل المغربية، لم يترك الفراغ السياسي المنطقة بلا نظام، بل برزت من رحم القبائل الأمازيغية المحلية كيانات سياسية منظمة، أبرزها مملكة "موريتانيا"، وهو اسم لا علاقة له بدولة موريتانيا الحالية، بل يعود إلى قبائل "المور" الأمازيغية التي حكمت شمال غرب إفريقيا. انقسمت هذه المملكة تاريخيًا إلى قسمين: موريتانيا القيصرية شرقًا (في الجزائر الحالية)، وموريتانيا الطنجية غربًا، وهي التي تغطي معظم شمال المغرب الحالي وعاصمتها طنجة. حكم هذه الممالك الأمازيغية ملوك محليون حافظوا على استقلال نسبي، متعايشين مع النفوذ الروماني المتصاعد في المنطقة عبر تحالفات ومصاهرات سياسية بدل المواجهة المباشرة. وأشهر هؤلاء الملوك على الإطلاق هو الملك يوبا الثاني، الذي حكم موريتانيا في نهاية القرن الأول قبل الميلاد وبداية القرن الأول الميلادي. كان يوبا الثاني شخصية استثنائية: فهو ابن يوبا الأول ملك نوميديا (الجزائر حاليًا)، لكنه نشأ وتربى في روما بعد أن أُسر طفلاً وأُخذ إلى هناك، حيث تلقى تعليمًا رفيعًا في العلوم والفلسفة والتاريخ، وأصبح من أقرب المقربين للإمبراطور أوغسطس. زوّجه الرومان من كليوباترا سيليني، ابنة الملكة كليوباترا السابعة ملكة مصر ومارك أنطونيو، في تحالف سياسي رمزي جمع بين إرث مصر الفرعوني وإرث الأمازيغ الملكي. عاد يوبا الثاني إلى المنطقة ليحكم موريتانيا، واتخذ من مدينة "فولوبيليس" (وليلي حاليًا قرب مكناس) ثم مدينة "شرشال" مراكز لحكمه، لكنه لم يكن مجرد حاكم سياسي، بل كان عالمًا وباحثًا ومؤلفًا غزير الإنتاج، كتب في التاريخ والجغرافيا وعلم النبات، وأرسل بعثات استكشافية إلى جزر الكناري، وحمل لقب "أعلم ملوك عصره" بين معاصريه. حوّل يوبا الثاني عاصمته إلى مركز حضاري يجمع بين الطراز المعماري الروماني والهوية الأمازيغية المحلية، وازدهرت فيها الفنون والعمارة، كما يشهد على ذلك موقع وليلي الأثري الذي لا تزال بقايا فسيفسائه وأعمدته قائمة إلى اليوم، وهو مسجل ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو. استمر حكم موريتانيا الطنجية بعد يوبا الثاني على يد ابنه بطليموس، إلى أن قرر الإمبراطور الروماني كاليجولا اغتيال بطليموس سنة 40 ميلادية، لينتهي بذلك آخر كيان أمازيغي مستقل شمال المغرب، ولتضم روما المنطقة رسميًا كولاية تابعة لها تحت اسم "موريتانيا الطنجية". 📌 في الحلقة القادمة: كيف كان شكل الحكم الروماني المباشر في المغرب، وأي أثر تركته روما في المدن والطرق والحياة اليومية لسكان المنطقة؟