الحلقة الرابعة: الاحتلال الروماني لشمال المغرب بعد اغتيال الملك بطليموس سنة 40 ميلادية على يد الإمبراطور كاليجولا، لم تعد موريتانيا كيانًا أمازيغيًا مستقلاً، بل تحوّلت إلى ولاية رومانية مباشرة. لم يقبل الأمازيغ هذا التحول بسهولة، فاندلعت ثورة كبرى بقيادة "إيديمون"، أحد كبار مساعدي الملك الراحل، استمرت لسنوات وتطلبت من روما إرسال جيوش وحملات عسكرية عديدة لإخمادها. وفي النهاية، وتحت حكم الإمبراطور كلوديوس سنة 44 ميلادية، قُسّمت المنطقة إلى ولايتين إداريتين: موريتانيا القيصرية شرقًا، وموريتانيا الطنجية غربًا وهي التي تضم شمال المغرب الحالي. لم يمتد الحكم الروماني الفعلي إلى كامل التراب المغربي، بل اقتصر أساسًا على الشريط الشمالي والمناطق الساحلية والسهول الخصبة القريبة منها، بينما ظلت مناطق الأطلس والصحراء خارج السيطرة الرومانية المباشرة، تحت حكم القبائل الأمازيغية التي حافظت على استقلالها الفعلي، وإن اضطرت أحيانًا للتعامل أو الاشتباك مع الحاميات الرومانية القريبة. أسّس الرومان أو طوّروا مدنًا مهمة مثل "وليلي" (فولوبيليس)، التي أصبحت مركزًا زراعيًا مزدهرًا اشتهر بإنتاج زيت الزيتون، وتُظهر أطلالها الفسيفساء الرائعة والمعابد وقوس النصر حتى اليوم. كما طوّروا مدنًا ساحلية مثل "تينجيس" (طنجة) التي أصبحت عاصمة إدارية للولاية، و"شالة" قرب الرباط. ربط الرومان هذه المدن بشبكة من الطرق المعبّدة، وأقاموا الحمامات والمسارح وأنظمة لتوزيع المياه، وفق النموذج الحضري الروماني المعروف في كل أنحاء الإمبراطورية. اقتصاديًا، كانت المنطقة مصدرًا مهمًا لروما من الحبوب وزيت الزيتون والحيوانات البرية (التي كانت تُصدَّر لعروض المدرجات الرومانية)، كما استمرت التجارة عبر الموانئ الأطلسية والمتوسطية. أما ثقافيًا، فقد تعايشت اللغة اللاتينية والديانة الرومانية مع اللغات والمعتقدات المحلية الأمازيغية، دون أن تُذيب إحداهما الأخرى بالكامل، إذ ظلت القبائل خارج المدن متمسكة بلغتها وتقاليدها. وابتداءً من القرن الثالث الميلادي، بدأ النفوذ الروماني في التراجع تدريجيًا مع تصاعد ضغط القبائل الأمازيغية المستقلة من الداخل، وتراجع قدرة روما نفسها على تثبيت حاميات بعيدة في ظل الأزمات التي عصفت بالإمبراطورية ذاتها، مما مهّد الطريق لتحولات كبرى ستغيّر وجه المنطقة مع نهاية العصر القديم. 📌 في الحلقة القادمة: كيف انهار الحكم الروماني في المغرب، ومن هم الوندال والبيزنطيون الذين تعاقبوا على المنطقة بعده؟