الحلقة الخامسة عشرة: الدولة السعدية ومعركة وادي المخازن في مطلع القرن السادس عشر، وبينما كانت الدولة الوطاسية تترنح أمام الاحتلال البرتغالي والإسباني للسواحل المغربية، بدأت تظهر في منطقة سوس جنوب المغرب أسرة شريفة تنتسب نسبًا إلى النبي محمد ﷺ عبر سلالة سعدية، اتخذت من الجهاد ضد المحتل الأجنبي شعارًا جذبت به تأييد الناس الغاضبين من عجز السلطة المركزية عن حماية البلاد. بدأ الزعيم السعدي الأول، محمد القائم بأمر الله، حركته من قرية تاغمادرت في وادي درعة، معلنًا الجهاد ضد البرتغاليين المتمركزين في المدن الساحلية، فالتفّت حوله القبائل الجنوبية وبدأ يوسّع نفوذه تدريجيًا شمالًا. وبعد وفاته، واصل أبناؤه المسيرة، وتمكّن ابنه محمد الشيخ من تحقيق نجاحات عسكرية متتالية، أبرزها استعادة مدينة أكادير من البرتغاليين سنة 1541 ميلادية، وهو انتصار رمزي كبير أعاد الثقة للمغاربة في إمكانية طرد المحتل. واصل محمد الشيخ توسعه شمالاً، ونجح في إسقاط آخر معاقل الدولة الوطاسية في فاس سنة 1549 ميلادية، موحّدًا بذلك المغرب بأكمله تحت راية الدولة السعدية لأول مرة، ومعلنًا نهاية الصراع الطويل بين القوى المحلية المتناحرة لصالح دولة مركزية جديدة عازمة على مواجهة الأطماع الأجنبية. لكن التحدي الأكبر الذي ستواجهه الدولة السعدية جاء لاحقًا في عهد السلطان عبد الملك، حين تدخلت أطراف دولية معقدة في الشأن المغربي. فبعد وفاة عبد الملك بن محمد الشيخ، نازعه العرش ابن أخيه المخلوع محمد المتوكل، الذي لجأ إلى ملك البرتغال الشاب دون سيباستيان طلبًا للمساعدة في استعادة عرشه. رأى الملك البرتغالي المتحمس دينيًا في هذا الطلب فرصة ذهبية لشن حملة صليبية كبرى يحقق بها مجدًا شخصيًا وتوسعًا استعماريًا في المغرب. جهّز دون سيباستيان حملة عسكرية ضخمة، ضمت إلى جانب الجيش البرتغالي متطوعين من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، وأنزلها في السواحل المغربية قرب مدينة العرائش، متجهة نحو الداخل. وفي الرابع من أغسطس سنة 1578، التقى الجيشان في سهل قرب وادي يُدعى "وادي المخازن"، في معركة ستُعرف لاحقًا في التاريخ الأوروبي باسم "معركة الملوك الثلاثة"، نظرًا لأن ثلاثة ملوك سيلقون حتفهم فيها في يوم واحد: السلطان المغربي عبد الملك الذي كان مريضًا وتوفي أثناء المعركة نفسها من المرض قبل أن تحسم النتيجة، والملك البرتغالي دون سيباستيان الذي قُتل في ساحة القتال، والمتوكل المخلوع الذي غرق أثناء فراره عبر النهر. انتهت المعركة بانتصار ساحق للجيش المغربي بقيادة أخي عبد الملك، أحمد، الذي أُعلن سلطانًا فور المعركة وحمل لقب "المنصور" احتفاءً بهذا النصر التاريخي. أُبيد الجيش البرتغالي بالكامل تقريبًا، وأُسر آلاف الجنود الأوروبيين من النبلاء والعسكريين، مما شكّل كارثة وطنية للبرتغال أدت إلى انهيار سلالتها الحاكمة نفسها، إذ لم يترك دون سيباستيان وريثًا، مما مهّد لضم إسبانيا للبرتغال بعد سنتين فقط من هذه المعركة. مثّلت معركة وادي المخازن نقطة تحول تاريخية مزدوجة: فقد أنقذت المغرب نهائيًا من خطر الاستعمار الأوروبي المباشر لقرون قادمة، وفي الوقت نفسه رفعت اسم المغرب ومكانته الدولية عاليًا، ليدخل السلطان أحمد المنصور التاريخ بلقبه الأشهر: أحمد المنصور الذهبي. 📌 في الحلقة القادمة: كيف بلغت الدولة السعدية ذروة مجدها وثرائها في عهد أحمد المنصور الذهبي، وماذا حدث حين أرسل جيشه عبر الصحراء لغزو إمبراطورية سونغاي؟