الحلقة التاسعة: دولة المرابطين وتأسيس مراكش بعد ضعف الدولة الإدريسية وتفككها، دخل المغرب في مرحلة من التشرذم السياسي دامت أكثر من قرن، تقاسمت خلالها إمارات صغيرة متناحرة أجزاء من البلاد، بينما كانت أحداث كبرى تختمر بعيدًا في أقصى الجنوب، على أطراف الصحراء الكبرى، ستعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها. في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، كانت قبائل صنهاجة الأمازيغية، وتحديدًا فرع "لمتونة"، تسيطر على طرق التجارة الصحراوية بين المغرب وغرب إفريقيا، خاصة تجارة الذهب والملح. من رحم هذه القبائل، برز داعية ديني يُدعى عبد الله بن ياسين، الذي أسّس حركة إصلاحية دينية صارمة تهدف إلى نشر تعاليم الإسلام وفق المذهب المالكي بصرامة، وتصحيح ما اعتبره انحرافات دينية واجتماعية منتشرة بين القبائل الصحراوية. أطلق ابن ياسين على أتباعه اسم "المرابطين"، نسبة إلى "الرباط" الذي أسّسه لتكوين وتدريب أتباعه على جزيرة في نهر السنغال. سرعان ما تحوّلت هذه الحركة الدينية إلى قوة عسكرية وسياسية صاعدة، بقيادة يحيى بن عمر اللمتوني أولاً، ثم أخيه أبي بكر بن عمر، الذي قاد حملات واسعة جنوبًا نحو إمبراطورية غانا القديمة، وشمالاً نحو المغرب الأقصى. ولإدارة هذه الجبهتين المتباعدتين، عهد أبو بكر بن عمر بقيادة الحملة الشمالية إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، بينما توجه هو جنوبًا لمتابعة الفتوحات هناك، في قرار غيّر مجرى التاريخ، إذ برز يوسف بن تاشفين سريعًا كقائد فذّ ولم يعد أبو بكر ليستعيد قيادة الشمال. أظهر يوسف بن تاشفين مهارة عسكرية وسياسية استثنائية، فوسّع نفوذ المرابطين شمالًا بسرعة لافتة، وفي سنة 1070 ميلادية اتخذ قرارًا مصيريًا بتأسيس مدينة جديدة في سهل يقع عند سفوح جبال الأطلس، أطلق عليها اسم "مراكش"، لتكون عاصمة لدولته الناشئة. اختير الموقع بعناية: أرض خصبة، ومياه وفيرة من الينابيع الجبلية، وموقع استراتيجي يربط بين طرق التجارة الصحراوية جنوبًا والمناطق الزراعية شمالًا. لم يكتفِ يوسف بن تاشفين بتوحيد المغرب تحت راية واحدة للمرة الأولى منذ قرون، بل وسّع نفوذه شرقًا حتى شمل أجزاء واسعة من الجزائر الحالية، ثم اتجه أنظاره نحو الأندلس، حيث كانت ممالك الطوائف الإسلامية هناك تعاني من التفكك والضعف أمام الممالك المسيحية الصاعدة في الشمال. سيكون هذا التدخل الأندلسي فصلاً محوريًا سيُخلّد اسم يوسف بن تاشفين في التاريخ، وسنتناوله بالتفصيل في الحلقة القادمة. أسّس المرابطون بذلك أول إمبراطورية مغربية حقيقية تمتد من نهر السنغال جنوبًا إلى قلب الأندلس شمالًا، موحّدة تحت سلطة سياسية ودينية واحدة انطلقت من قلب الصحراء لتصنع واحدة من أهم الحقب في تاريخ المغرب. 📌 في الحلقة القادمة: كيف عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ليخوض معركة الزلاقة الفاصلة، وكيف امتدت دولة المرابطين لتشمل ضفتي المضيق؟