الحلقة الثانية والعشرون (الأخيرة): المغرب المعاصر من الحسن الثاني إلى محمد السادس **عهد الحسن الثاني (1961-1999)** تولى الحسن الثاني الحكم بعد وفاة والده وهو في الثانية والثلاثين، وسيحكم البلاد قرابة أربعين عامًا شهدت تحولات كبرى. في الجانب السياسي، عرف المغرب أول دستور له سنة 1962 أرسى نظامًا ملكيًا دستوريًا، تلته دساتير أخرى معدّلة عبر العقود. كما شهدت هذه المرحلة فترة توترات سياسية داخلية حادة بين السلطة والمعارضة، خاصة اليسارية منها، عُرفت لاحقًا في الذاكرة الجماعية باسم "سنوات الرصاص"، تميّزت باعتقالات ومحاكمات سياسية طالت معارضين ونشطاء حقوقيين. على المستوى الإقليمي، شهد المغرب حدثًا محوريًا سنة 1975: "المسيرة الخضراء"، حين نظّم الحسن الثاني مسيرة سلمية ضمّت نحو 350 ألف متطوع مغربي عبروا الحدود جنوبًا نحو الصحراء الغربية، في أعقاب انسحاب إسبانيا منها، مطالبين بضمها إلى السيادة المغربية. لا يزال وضع هذا الإقليم قضية سياسية ودبلوماسية معقدة حتى اليوم، إذ ينظر إليها المغرب كجزء من سيادته الترابية بينما لا تزال محل نقاش في محافل دولية مختلفة. **التسعينيات: بدايات الانفتاح** في العقد الأخير من حكمه، بدأ الحسن الثاني مسارًا تدريجيًا نحو الانفتاح السياسي والمصالحة، عبر إصلاحات دستورية سنة 1992 و1996، وإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين، وتعيين حكومة "التناوب" سنة 1998 برئاسة المعارض اليساري السابق عبد الرحمن اليوسفي، في خطوة اعتُبرت انفتاحًا سياسيًا مهمًا آنذاك. **تولي محمد السادس (1999 - إلى اليوم)** توفي الحسن الثاني في يوليوز 1999، ليخلفه ابنه محمد السادس في السادسة والثلاثين من عمره. اتسمت السنوات الأولى من عهده بخطوات إصلاحية لافتة، أبرزها تأسيس "هيئة الإنصاف والمصالحة" سنة 2004، التي فتحت ملفات انتهاكات حقوق الإنسان في العقود السابقة وقدّمت تعويضات للضحايا، في تجربة نادرة إقليميًا للمصالحة مع الماضي. من أبرز محطات هذا العهد أيضًا إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، التي عدّلت قوانين الزواج والطلاق وحقوق المرأة، واعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية للبلاد إلى جانب العربية بموجب دستور 2011، وهو الدستور الذي جاء في سياق حراك "20 فبراير" المواكب لموجة الاحتجاجات في المنطقة، ووسّع صلاحيات رئيس الحكومة وعزز الفصل بين السلطات. اقتصاديًا، شهدت هذه المرحلة استثمارات كبرى في البنية التحتية: خط القطار فائق السرعة "البراق" الرابط بين طنجة والدار البيضاء (أول قطار فائق السرعة في إفريقيا)، وتوسعة ميناء طنجة المتوسط ليصبح من أكبر الموانئ في إفريقيا والمتوسط، ومشاريع الطاقة الشمسية الكبرى في ورزازات وغيرها، إلى جانب برامج تنموية استهدفت المناطق النائية والقروية. رياضيًا وثقافيًا، برز المغرب دوليًا بشكل لافت في السنوات الأخيرة، أبرزها وصول المنتخب الوطني إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 في قطر، وهو إنجاز تاريخي غير مسبوق لمنتخب إفريقي وعربي، واستضافة المغرب لتنظيم كأس أمم إفريقيا 2025، تحضيرًا لاستضافته المشتركة مع إسبانيا والبرتغال لكأس العالم 2030. **خاتمة السلسلة** من أمازيغ يسكنون الجبال والسهول منذ آلاف السنين، إلى فينيقيين ورومان مرّوا بسواحله، إلى فتح إسلامي غيّر هويته الدينية، إلى دول وإمبراطوريات مرابطية وموحدية ومرينية ووطاسية وسعدية وعلوية توالت على حكمه، إلى مقاومة شرسة ضد الاستعمار، إلى استقلال انتُزع بالتضحية، وصولًا إلى مغرب اليوم الذي يسعى لموقعه بين الأمم — يبقى الثابت الوحيد عبر كل هذه القرون هو صمود هذه الأرض وأهلها، وقدرتهم على التكيّف دون أن يفقدوا جذورهم.