شي مما أهمله التاريخ:- قصة جمجمة محمد أحمد المهدي:- جمجمة محمد أحمد المهدي واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في تاريخ الاستعمار البريطاني للسودان وتحديداً بعد معركة أم درمان عام 1898. نقطة البداية:- أم درمان (سبتمبر 1898) نبش القبر: بعد انتصار القوات البريطانية المصرية بقيادة اللورد هيربرت كتشنر في معركة أم درمان، أصدر كتشنر أمره بقصف قبة المهدي وتدميرها، ثم أخرج رفات محمد أحمد المهدي من القبر، حيث قُطعت الرأس (الجمجمة)، وأُلقي بقية الجسد في مياه النيل. كانت قبة المهدي قد أصيبت بقذائف المدفعية مما أحدث فتحة كبيرة فى قمتها البيضاوية، وتم اقتحام القبة ونهب محتوياتها ونبش القبر بداخلها، وكان يوماً سعيداً وكنزاً قيماً لهواة جمع التحف والتذكارات والآثار. كان من ضمن الغنائم: سيف ملك الحبشة، ومقراب تليسكوب يخص غوردون، وعلب ساردين ملفوفة فى عدد من جريدة Etoile Belge بتاريخ 24 مارس 1894م، ونظارات أحد الضباط الإنجليز، وجلود لحيوانات نادرة، وحزام (للتعذيب) به أسنان معكوفة وحادة. بيعت بعض هذه "المقتنيات" وذهب ريعها إلى صندوق خيري للجنود، وأرسل بعضها للمتاحف البريطانية. لم تشف تلك المذلة والمهانة صدر كتشنر؛ وطفق سلاطين يوقر صدره بنصحه إياه بإزالة القبة تماما ومساواتها بالأرض كي يزول آخر معلم من معالم المهدية. ورغم أن تشرشل وصف تلك النصيحة بأنها خبيثة إلا أن كتشنر استجاب لنصيحة سلاطين مؤملا قطع عشم كل من كان يظن بأن المهدية ستتبقى حية فى القلوب وأن المهدي إنما ذهب إلى زيارة الجنة وسيبعث جسده تارة أخرى. أجمع الكثيرون على أن كتشنر قد أخطأ خطأ فادحا بفعلته تلك، وأنه قد خسرم كثيرا من سمعته الحسنة كفارس كتب الرائد سبارك:- (إن عظام المهدي قد ألقيت فى النهر، وهذا في نظري عمل يفتقر إلى المروءة). أُكلت مهمة تدمير ما بقى من قبة المهدي إلى مونكى غوردون مما عزز الانطباع بأن الأمر لم يك إلا محض انتقام شخصي. احتفظ كتشنر بججمجمة المهدي الكبيرة الحجم (في صفيحة كيروسين بحسب رواية وينستون تشرشل) كغنيمة حرب، وأراد استخدامها كدواية حبر (محبرة) أو ككوب للماء إلا أنه تراجع عن ذلك عندما تبين له مقدار ما ستقاه فكرته تلك من استهجان في بريطانيا. وقرّر أخيراً إهداء الجمجمة (لجمعية الجراحين الملكية وكان يظن أن تلك الجمعية تحتفظ أيضاً بأمعاء نابليون). سمعت الملكة فيكتوريا بتلك الأخبار فأعربت عن سخطها للورد ساليسبورى، فأبرق ذلك اللورد كرومر طالباً منه إيقاف ذلك العبث على الفور. ورد كتشنر في برود على كرومر قائلاً: (أنا آسف جدا إذا كانت جلالة الملكة تعتقد أن بقايا المهدي لم تعامل بطريقة لائقة). سوف أصدّر أمراً بدفن جمجمة المهدي كما طلبت الملكة فيكتوريا. خرجت الجمجمة من أم درمان متحركة نحو الشمال عبر نهر النيل أو خط السكة الحديد العسكري الذي كان يربط بين السودان ومصر (خط وادي حلفا - أبدوس/بربر الذي بنته الحملة العسكرية). وصلت الجمجمة إلى القاهرة (مركز القيادة العليا للاحتلال البريطاني في مصر، حيث كان اللورد كرومر المعتمد البريطاني يدير الأمور)، وكان التخطيط يقضي بشحنها إلى لندن (إلى كلية الجراحين الملكية البريطانية) وقبل أن تغادر الجمجمة الأراضي المصرية إلى بريطانيا بحراً، تسربت الأخبار إلى الصحافة البريطانية التي شنّت حملة استنكار واسعة ضد هذا التصرف "غير الأخلاقي" الذي ينافي قواعد الفروسية والاحترام حتى للأعداء. تلقى اللورد كتشنر توجيهات كرومر الصارمة، فأصدر أمراً بإعادة الجمجمة أدراجها. انطلقت الجمجمة في رحلة العودة من القاهرة متجهة جنوباً عبر نهر النيل / خط السكة الحديد متخطية الحدود المصرية السودانية وصولاً إلى وادي حلفا (أقصى شمال السودان وقتها وآخر نقطة حدودية وتحصين عسكري بريطاني). تم دفن الجمجمة سراً ودون إعلام لتجنب أي اضطرابات سياسية أو دينية، في إحدى مقابر المسلمين بمدينة وادي حلفا، وهناك استقرت نهائياً بعيداً عن خطط الإرسال إلى لندن. وبعد الكثير من الخلافات بين معتنقي مختلف الطوائف المسيحية تقرّر أن تققيم كل طائفة قداسها الخاص؛ وعزفت فرقة الحرس مارشاً عسكريا. لاحظ الناس أن ذلك القداس قد أراح كتشنر راحة عظيمة، فزالت عن وجهه ملامح الكﺂبة والكدر وانقلب حاله إلى حال إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معان. (أخرج الرائد سنو) وكان ضمن من اشتراكو فى حملة إنقاذ غوردون الفاشلة قبل سنين زجاجة شمبانيا كان قد أقسم أن لا يفتحها إلا حين استعادة الخرطوم، وها قد أبر بقسمه! بعد عام وشهرين (أى فى نوفمبر 1899 م) تم قتل الخليفة فى أم دبيكرات...