الحلقة الحادية عشرة: دولة الموحدين - ابن تومرت وعبد المؤمن بعد عقود من القوة والاتساع، بدأت دولة المرابطين في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي تُظهر علامات ضعف داخلي: ترف متزايد بين النخبة الحاكمة، وابتعاد تدريجي عن الصرامة الدينية التي قامت عليها الحركة في بداياتها، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الفقهية لبعض ممارساتهم الدينية من طرف علماء آخرين اعتبروها بعيدة عن جوهر الإسلام الصحيح كما يفهمونه. من قلب هذا المناخ النقدي، برز محمد بن تومرت، عالم دين أمازيغي من منطقة سوس جنوب المغرب، تلقى تعليمه الديني في المشرق (بغداد ودمشق) حيث تأثر بأفكار الغزالي الإصلاحية، ثم عاد إلى المغرب حاملاً مشروعًا دينيًا وسياسيًا طموحًا. جاب ابن تومرت المدن المغربية داعيًا إلى ما أسماه "التوحيد الخالص"، منتقدًا بشدة ما اعتبره انحرافات عقدية وفقهية لدى المرابطين، ومن هنا جاء اسم حركته: "الموحدون". استقر ابن تومرت في نهاية المطاف بين قبائل مصمودة في جبال الأطلس، وتحديدًا في قرية "تينمل" الجبلية النائية، حيث بايعه أتباعه ليس فقط كإمام ديني، بل أعلن نفسه "المهدي المنتظر"، وهو لقب ديني ذو دلالة عميقة في الفكر الإسلامي، منح حركته زخمًا روحيًا قويًا جذب إليه آلاف الأتباع من القبائل الأمازيغية الجبلية، الذين كانوا أصلاً أقل ارتباطًا بدولة المرابطين المتمركزة في السهول والمدن. نظّم ابن تومرت أتباعه في بنية تنظيمية صارمة ومحكمة، ودرّبهم عسكريًا وعقائديًا، وبدأ في شن حملات ضد حاميات المرابطين القريبة. ورغم أنه لم يعش ليرى النصر النهائي لحركته، إذ توفي سنة 1130 ميلادية بعد هزيمة عسكرية قاسية أمام جيوش المرابطين، فإن الحركة التي أسّسها لم تندثر، بل ورثها أحد أقرب تلاميذه وأكثرهم كفاءة: عبد المؤمن بن علي الكومي. أظهر عبد المؤمن مهارة قيادية وعسكرية استثنائية تفوق حتى مؤسس الحركة نفسه، فأعاد تنظيم صفوف الموحدين، وشنّ حملة منهجية وصبورة استمرت قرابة عشرين عامًا ضد دولة المرابطين، مستغلاً ضعفها الداخلي المتصاعد. وبحلول سنة 1147 ميلادية، تمكّن عبد المؤمن من الاستيلاء على مراكش نفسها، عاصمة المرابطين، منهيًا بذلك حكم هذه الدولة التي كانت قبل عقود قليلة فقط تسيطر على إمبراطورية شاسعة من السنغال إلى الأندلس. لم يتوقف عبد المؤمن عند حدود المغرب، بل واصل التوسع شرقًا ليضم الجزائر وتونس وليبيا وحتى أجزاء من الأندلس، مؤسسًا بذلك أكبر إمبراطورية موحدة سياسيًا عرفها المغرب الكبير عبر تاريخه، امتدت من الأطلسي غربًا إلى طرابلس شرقًا، ومن الأندلس شمالًا إلى أطراف الصحراء جنوبًا، متخذًا من مراكش عاصمة لهذه الإمبراطورية الجديدة الشاسعة. كانت دولة الموحدين بذلك استمرارًا لنمط تكرر في التاريخ المغربي: حركة دينية إصلاحية تنطلق من الأطراف الجبلية أو الصحراوية النائية، لتطيح بدولة مركزية أضعفها الترف والانحلال التدريجي، ثم تؤسس بدورها إمبراطورية جديدة أكثر اتساعًا وقوة. 📌 في الحلقة القادمة: كيف ازدهرت الحضارة الموحدية في عهد أبي يعقوب يوسف وابنه يعقوب المنصور، وما علاقة الفيلسوف ابن رشد بهذا العصر الذهبي؟