الحلقة الرابعة عشرة: الدولة الوطاسية وبداية الأطماع الأوروبية بعد ذروة القوة التي بلغتها الدولة المرينية في عهد السلطان أبي الحسن خلال القرن الرابع عشر الميلادي، دخلت الدولة في مسار تراجع طويل، تميّز بصراعات داخلية على السلطة بين أفراد الأسرة المرينية الحاكمة، وضعف متزايد للسلاطين أنفسهم الذين أصبحوا في كثير من الأحيان مجرد واجهات شكلية للحكم، بينما تركزت السلطة الفعلية في أيدي وزرائهم الأقوياء. من بين هؤلاء الوزراء، برزت أسرة بني وطاس، وهي أسرة أمازيغية زناتية ذات صلة قرابة بالأسرة المرينية نفسها، والتي تمكنت تدريجيًا من فرض نفوذها الفعلي على مقاليد الحكم، إلى أن أعلنت رسميًا قيام دولتها الخاصة سنة 1472 ميلادية تقريبًا، منهية بذلك الوجود الرسمي لآخر سلاطين بني مرين، ومؤسسة ما عُرف بالدولة الوطاسية، متخذة من فاس عاصمة لها كما فعل أسلافهم. لكن الدولة الوطاسية ورثت دولة مثقلة بالضعف والتفكك الداخلي، إذ لم تتمكن من فرض سيطرة مركزية قوية على كامل التراب المغربي، بل ظلت مناطق واسعة، خاصة في الجنوب، تحت حكم قوى محلية شبه مستقلة، بينها زوايا دينية صوفية بدأت تكتسب نفوذًا شعبيًا متصاعدًا في ظل غياب سلطة مركزية قوية تحمي الناس أو توحدهم. في هذا السياق من الضعف الداخلي، تزامن حدث خارجي بالغ الخطورة كان يتشكل تدريجيًا منذ عقود: التوسع البحري البرتغالي والإسباني. فمنذ أوائل القرن الخامس عشر، بدأت البرتغال، المدفوعة بطموحات تجارية واستكشافية وحماس ديني متجدد بعد نهاية "الاسترداد" في شبه الجزيرة الإيبيرية، تستولي تباعًا على مدن ومرافئ ساحلية مغربية استراتيجية، بدءًا بالاستيلاء على سبتة سنة 1415 ميلادية، ثم توالت المدن الساحلية الأخرى مثل أصيلة وطنجة والقصر الصغير والجديدة والصويرة (موگادور) وآسفي وأزمور، بينما فرضت إسبانيا وجودها على بعض النقاط الساحلية الأخرى كمليلية. لم تكن هذه المدن الساحلية المحتلة مجرد قواعد عسكرية عابرة، بل تحوّلت إلى حصون تجارية وعسكرية دائمة، هدّدت السيادة المغربية على سواحلها، وأثارت غضبًا شعبيًا متصاعدًا إزاء عجز الدولة الوطاسية الضعيفة عن حماية أراضي البلاد ومقدساتها من الاحتلال الأجنبي المباشر. هذا الفراغ في القيادة الوطنية، وهذا الغضب الشعبي المتصاعد أمام الاحتلال الأجنبي، هما ما فتحا الباب أمام بروز قوة جديدة تمامًا، هذه المرة لن تأتي من قبيلة أمازيغية زناتية أو صنهاجية كما اعتاد المغاربة عبر القرون السابقة، بل من أسرة شريفة تدّعي النسب إلى النبي محمد ﷺ، ستحمل راية الجهاد ضد المحتل الأجنبي، وستغيّر وجه المغرب من جديد: الأسرة السعدية. 📌 في الحلقة القادمة: كيف قادت الدولة السعدية حرب التحرير ضد البرتغاليين، وماذا حدث في معركة وادي المخازن الأسطورية التي هزّت أوروبا بأكملها؟