الحلقة السابعة: ثورة الأمازيغ وحركة ميسرة المطغري رغم اعتناق كثير من الأمازيغ الإسلام في العقود التي أعقبت فتح موسى بن نصير، فإن هذا لم يعنِ نهاية التوترات بين المنطقة والحكم الأموي المركزي في دمشق. فقد استمر الولاة الذين تعينهم الخلافة الأموية على إفريقية والمغرب في فرض ضرائب ثقيلة على الأمازيغ حديثي العهد بالإسلام، بل عاملهم بعضهم كأتباع من الدرجة الثانية رغم إسلامهم، وفرضوا عليهم الجزية التي من المفترض أنها تسقط عن المسلمين، إضافة إلى ممارسات ظالمة أخرى مثل تسخير أبنائهم وبناتهم في الجيش والخدمة دون وجه حق شرعي. تزامن هذا الظلم مع انتشار الفكر الخارجي في بعض مناطق المغرب، وهو تيار ديني وسياسي نشأ أصلاً في المشرق، لكنه وجد أرضًا خصبة بين الأمازيغ لما يحمله من مبادئ المساواة بين جميع المسلمين بغض النظر عن أصولهم العرقية، ورفض التمييز الذي كانوا يعانون منه، ورفض فكرة أن تكون الخلافة حكرًا على قبيلة قريش وحدها. في هذا السياق المشحون، برز سنة 740 ميلادية رجل يُدعى ميسرة المطغري، وهو من قبيلة "مطغرة" الأمازيغية، وأعلن الثورة ضد الوالي الأموي على طنجة، متهمًا إياه بالظلم والفساد المالي. سرعان ما تحوّلت هذه الثورة المحلية إلى حركة واسعة عُرفت في المصادر التاريخية بـ"ثورة الخوارج البربر" أو "ثورة ميسرة"، إذ التفّت حولها قبائل أمازيغية عديدة من مختلف أنحاء المغرب، ونجحت في هزيمة الجيوش الأموية المرسلة لإخمادها في عدة معارك، أبرزها "معركة الأشراف" أو "غزوة الأشراف" التي أبيد فيها عدد كبير من كبار قادة الجيش الأموي. انتشرت شرارة هذه الثورة لتصل إلى إفريقية (تونس الحالية) وحتى الأندلس، وأرسلت الخلافة الأموية جيوشًا كبيرة من المشرق لمحاولة استعادة السيطرة، لكن هذه الجيوش مُنيت هي الأخرى بهزائم قاسية على يد المقاتلين الأمازيغ الذين كانوا يعرفون تضاريس بلادهم جيدًا. ورغم أن ميسرة المطغري نفسه قُتل بعد فترة قصيرة من قيادته للثورة إثر خلافات داخلية بين قادة الحركة، فإن أثر هذه الثورة كان عميقًا وبعيد المدى: فقد أضعفت بشكل كبير قدرة الخلافة الأموية المركزية على فرض سيطرتها المباشرة على المغرب الأقصى، وفتحت الباب أمام ظهور كيانات سياسية محلية مستقلة تدريجيًا عن المركز، أبرزها إمارات خارجية صغيرة مثل إمارة "بني مدرار" في سجلماسة، والتي ستلعب لاحقًا دورًا مهمًا في التجارة الصحراوية. كانت هذه الثورة بمثابة إعلان مبكر عن هوية سياسية مغربية أمازيغية-إسلامية، ترفض التبعية الكاملة للمركز المشرقي، وتمهّد الطريق لظهور أول دولة مستقلة حقيقية في تاريخ المغرب الإسلامي. 📌 في الحلقة القادمة: كيف وصل إدريس الأول، الهارب من المشرق، ليؤسس أول دولة مستقلة في المغرب، وكيف أصبحت مدينة فاس عاصمة لها؟