كنت جالسًا ذات مرة أتأمل، فوجدت أن القرآن الكريم قد كشف لنا سببًا من أسباب الإرهاق النفسي والضيق الذي يعيشه كثير من الناس اليوم. فالله سبحانه وتعالى لم يطلب منك أن تركض خلف كل شيء. فعندما تحدث عن الرزق قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾، فقال: امشوا، ولم يقل: اركضوا. فلا تركض خلف رزقك بجنون، لأن ما كتبه الله لك من رزق لن يضيع منك، ولن يأخذه غيرك، فاطمئن. أما عندما تحدث عن الصلاة وذكر الله، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وهنا يزداد الأمر سرعةً، لأن علاقتك بالله أولى من انشغالك بالدنيا، فانتبه يا أخي، ولا تغتر بشيء، فإن كل شيء إلى زوال. ثم عندما نتحدث عن الجنة، يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. هنا لم يعد الأمر مجرد سعي، بل مسارعة ومبادرة؛ سارع إلى الصدقة، وإلى الطاعات، وإلى فعل الخير، ولا تؤجل. وعندما نصل إلى التوبة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. هنا لم يعد الأمر مشيًا، ولا سعيًا، ولا حتى مسارعة، بل فرارًا إلى الله. كأن المعنى يقول لك: لم يعد هناك وقت للتأجيل، فإما أن تفر من هذه الدنيا إلى الله بقلبك وأعمالك، وأن تستعد لآخرتك، وإما أن تبقى غارقًا في غفلتك. لكننا، للأسف، عكسنا الترتيب وعكسنا كل شيء؛ صرنا نركض خلف الدنيا، ونتكاسل عن الصلاة، ونؤجل التوبة. ثم نتعجب بعد ذلك: لماذا نشعر بالضيق؟ لماذا نكره حياتنا؟ ولماذا لا نجد الراحة مهما فعلنا؟ وأحيانًا يقف الإنسان مع نفسه ويسأل: ما الذي أفعله حتى وصلت إلى هذه الحال؟ فليجلس كل واحد منا مع نفسه قليلًا، وليفكر. فالوقت ليس في أيدينا حتى نقول: سأفعل ذلك لاحقًا، أو غدًا، أو في وقت آخر. فلا أحد يعلم متى تنتهي فرصته. فانتبه يا أخي، ولا تؤجل العودة إلى الله. اللهم اهدنا واغفر لنا، وتب علينا، واجعلنا من الذين يسارعون إلى مغفرتك، ويفرون إليك بقلوبهم وأعمالهم.