الحلقة الخامسة: سقوط الحكم الروماني وغزوات الوندال والبيزنطيين مع دخول القرن الثالث الميلادي، بدأت الإمبراطورية الرومانية تعاني من أزمات داخلية متلاحقة: صراعات على العرش، وضغط اقتصادي، وهجمات من القبائل على حدودها المترامية. انعكس هذا الضعف مباشرة على ولاية موريتانيا الطنجية، إذ لم تعد روما قادرة على الحفاظ على نفس المستوى من الحاميات والإدارة الذي كانت عليه في القرون الأولى. تراجعت السيطرة الرومانية الفعلية تدريجيًا إلى منطقة ضيقة حول طنجة وسبتة والسواحل القريبة، بينما استعادت القبائل الأمازيغية في الداخل استقلالها الفعلي، وعاد كثير من المناطق التي كانت خاضعة اسميًا لروما إلى الحكم الذاتي المحلي. في سنة 429 ميلادية، عبرت قبائل الوندال الجرمانية مضيق جبل طارق قادمة من إسبانيا، بقيادة الملك "غايزريك"، متجهة شرقًا نحو شمال إفريقيا. لم يكن هدف الوندال الاستقرار في المغرب الحالي بقدر ما كان عبوره في طريقهم لغزو قرطاج ومناطق تونس والجزائر الغنية، حيث أسّسوا مملكة قوية دامت أكثر من قرن. مرّ الوندال بسرعة عبر الشريط الشمالي للمغرب دون أن يتركوا فيه إدارة راسخة أو أثرًا حضاريًا يُذكر، على عكس ما فعلوه شرقًا. بعد ضعف مملكة الوندال، جاء دور الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية) لاستعادة النفوذ في شمال إفريقيا، حين أرسل الإمبراطور جستنيان الأول قائده الشهير "بليساريوس" لإسقاط مملكة الوندال سنة 533-534 ميلادية. تمكّن البيزنطيون من فرض سيطرة اسمية على بعض النقاط الساحلية في شمال المغرب، وعلى رأسها سبتة وطنجة، واستخدموها كقواعد استراتيجية تحمي طرق الملاحة في المضيق، لكن سيطرتهم ظلت محدودة جدًا مقارنة بالعصر الروماني الذهبي، ولم تتجاوز عمليًا بعض الحصون والموانئ الساحلية. أما الداخل المغربي بمعظمه، فقد ظل خلال هذه الحقبة كلها (من القرن الثالث إلى أواخر القرن السابع الميلادي) تحت حكم القبائل الأمازيغية المستقلة، التي طوّرت أشكالها الخاصة من التنظيم السياسي والاجتماعي بعيدًا عن أي سلطة مركزية أجنبية. كانت هذه القرون فترة انتقالية طويلة، لم تشهد فيها المنطقة حضارة وافدة مهيمنة كما كان الحال في العصر الروماني، بل عادت السيادة الفعلية بشكل كبير إلى أصحاب الأرض الأصليين. ظل هذا الوضع قائمًا حتى نهاية القرن السابع الميلادي، حين وصلت إلى المنطقة موجة حضارية وعقائدية جديدة تمامًا، ستغيّر مسار المغرب إلى الأبد: الفتح الإسلامي. 📌 في الحلقة القادمة: كيف دخل الإسلام إلى المغرب على يد عقبة بن نافع، وماذا حدث حين وصل جيشه إلى المحيط الأطلسي؟