الحلقة السابعة عشرة: قيام الدولة العلوية - الرشيد وإسماعيل ومكناس بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي سنة 1603 ميلادية، انزلقت الدولة السعدية في أزمة خلافة عنيفة بين أبنائه الثلاثة، تحوّلت إلى حروب أهلية دامية استمرت لعقود، مزّقت البلاد بين عواصم متنافسة وأمراء متصارعين، بينما برزت في الوقت نفسه قوى محلية مستقلة، بعضها ديني كزوايا صوفية اكتسبت نفوذًا سياسيًا حقيقيًا في ظل غياب سلطة مركزية قوية، وبعضها الآخر كإمارات صغيرة مستقلة فعليًا عن أي حكم مركزي. في خضم هذا التفكك، برزت من واحة تافيلالت في جنوب شرق المغرب أسرة شريفة أخرى تنتسب نسبًا إلى النبي محمد ﷺ، هذه المرة عبر سلالة علوية (نسبة إلى علي بن أبي طالب)، استقرت في المنطقة منذ قرون واكتسبت احترامًا دينيًا محليًا واسعًا. بدأ مولاي الشريف، ثم ابنه مولاي محمد، بتوسيع نفوذ الأسرة العلوية تدريجيًا من قاعدتها في تافيلالت، مستفيدين من الفوضى السائدة في باقي أنحاء البلاد ومن مكانتهم الدينية كأشراف. لكن الشخصية التي حسمت الأمر فعليًا ووحّدت المغرب من جديد تحت الراية العلوية كانت مولاي الرشيد، الذي أظهر مهارة عسكرية وسياسية استثنائية، فتمكن بين سنتي 1666 و1668 ميلادية من إخضاع مختلف القوى المتنافسة، بما فيها الزوايا الدينية القوية في فاس والمناطق الشمالية، موحّدًا بذلك المغرب بأكمله تحت حكمه، ومعلنًا رسميًا قيام الدولة العلوية التي لا تزال تحكم المغرب حتى يومنا هذا. توفي مولاي الرشيد مبكرًا سنة 1672 ميلادية إثر حادث سقوط عن حصانه، ليخلفه أخوه غير الشقيق مولاي إسماعيل، الذي سيصبح واحدًا من أطول السلاطين حكمًا وأكثرهم تأثيرًا في تاريخ المغرب، إذ استمر حكمه لأكثر من خمسة وخمسين عامًا، من سنة 1672 إلى وفاته سنة 1727 ميلادية. اتسم عهد مولاي إسماعيل بالصرامة والحزم الشديدين في فرض سلطة الدولة المركزية على كامل التراب المغربي، حيث أنشأ جيشًا نظاميًا قويًا يُعرف باسم "عبيد البخاري"، مكوّنًا أساسًا من جنود سود أُلحقوا بالخدمة العسكرية وتربوا منذ الصغر على الولاء المطلق للسلطان، بعيدًا عن الولاءات القبلية التقليدية التي كانت تُضعف السلاطين السابقين. مكّن هذا الجيش المنظم مولاي إسماعيل من إخضاع القبائل المتمردة، وطرد آخر الحاميات الإسبانية والإنجليزية من بعض السواحل المغربية، منها استعادة مدينة طنجة من الإنجليز سنة 1684 ميلادية. اتخذ مولاي إسماعيل من مدينة مكناس عاصمة جديدة لدولته، وحوّلها إلى مشروع معماري ضخم وطموح يُقارَن أحيانًا بقصر فرساي الفرنسي المعاصر له، حيث بنى أسوارًا ضخمة يمتد بعضها لعشرات الكيلومترات، وقصورًا فخمة، وإسطبلات ضخمة كانت تتسع لآلاف الخيول، وخزانات مياه كبرى، مستخدمًا في ذلك عمالة ضخمة من الأسرى الأوروبيين والعمال المحليين، فيما عُرف لاحقًا بـ"فرساي المغرب". دبلوماسيًا، أقام مولاي إسماعيل علاقات معقدة مع فرنسا في عهد لويس الرابع عشر، وتبادل معه السفارات والهدايا، بل طلب الزواج من إحدى أميرات البلاط الفرنسي في مسعى دبلوماسي لم يُكتب له النجاح، لكنه يعكس المكانة التي كان يسعى لفرضها لدولته على الساحة الأوروبية. بعد وفاة مولاي إسماعيل سنة 1727، دخلت البلاد في فترة اضطراب واسعة بسبب الصراع على السلطة بين أبنائه الكثيرين وتدخل جيش عبيد البخاري في تنصيب وخلع السلاطين، إلى أن استقرت الأمور تدريجيًا في العقود اللاحقة، ممهدة لحقبة جديدة سيواجه فيها المغرب تحديات مختلفة تمامًا قادمة هذه المرة من عمق أوروبا الصناعية الصاعدة. 📌 في الحلقة القادمة: كيف بدأت الضغوط الأوروبية المتصاعدة تتهدد استقلال المغرب في القرن التاسع عشر، وماذا حدث في معركة إيسلي؟