كان لرجلٍ كلبٌ شديد التعلّق به، يأنس به ويلازمه ويُكنّ له من المحبة ما جعله لا يفارقه في حياته اليومية. فلما حضر أجل ذل #حكم_ومواعظ ك الكلب ومات، حزن عليه صاحبه حزنًا شديدًا، واشتد عليه فراقه حتى أخذ يفكر في طريقة يُكرم بها جثمانه بعد موته، فغلب على ظنه أن يدفنه في مقابر المسلمين، تعظيمًا له بحسب ما اعتقده. فلما علم الناس بما يريد فعله، أنكروه عليه واستغربوا من تصرفه، ورأوا في ذلك تعديًا على حرمة مقابر المسلمين، فشكوه إلى حكيمهم وقاضيهم، وطلبوا منه أن يفصل في الأمر وينظر في هذا التصرف الغريب. فاستدعى الحكيم الرجل حتى يقف بين يديه، فلما حضر سأله على الفور مستنكرًا: هل فقدت عقلك حتى تريد أن تدفن كلبًا في مقابر المسلمين؟ فأجابه الرجل بهدوء: نعم، وقد أوصاني بذلك. فازداد الحكيم تعجبًا وغضبًا، وقال له: ويحك! أتريد أن تدفن كلبًا في مقابر المسلمين، ثم تدّعي أنه أوصاك بذلك وتظن أن هذا يُقبل منك؟ فقال الرجل: نعم، لقد أوصاني الكلب فعلًا، وهذه هي وصيته، فخذها واقرأها بنفسك. فأخذ الحكيم الورقة وبدأ يطالع ما فيها، فإذا فيها مكتوب أن هذا الكلب إذا مات فليُدفن في المقابر، وأن يُعطى للحكيم ألف دينار. فلما قرأ ذلك تغيّر موقف الحكيم في الحال، وقال: رحم الله الكلب الفقيد، لا بد أن نقيم له جنازة تليق بمقامه. فأصاب الناس الذهول من هذا التحول السريع في موقفه، وتعجبوا كيف انتقل من الإنكار الشديد إلى الإقرار والتعظيم في لحظة واحدة دون تردد. فقال لهم الحكيم مبررًا ذلك: لا تعجبوا من أمري، فقد تأملت في نسب هذا الكلب وتاريخه، فوجدته من نسل كلب أصحاب الكهف. وهكذا انتهت القصة بما يظهر تذبذب بعض الناس في مبادئهم، وكيف قد تتغير مواقفهم وأحكامهم تبعًا للمصالح والرغبات، لا على أساس ثابت من الحق والعدل.