من عجيب ما نراه، سرعة انقضاء الساعات وتلاشي الأيام. فكم من لحظات ثمينة تذوب في فضاءات رقمية متلاحقة، وتتبخر الدقائق من أعمارنا دون شعور. تأمل حال المرء، شاباً أو كهلاً، يمسك بجهازه، تتوالى عليه المقاطع القصيرة كأمواج. يغرق فيها البصر، وتتشتت الروح، وتتسرب الدقائق كرمال الصحراء، فلا يبقى إلا الإرهاق والوحشة. وفي المقابل، تجد من أدرك حقيقة العمر، فصرف بصره عن زيف السراب، ووجه قلبه إلى معين النور. يستبدل لحظات الغفلة بتلاوة آية، أو تدبر حديث، أو ذكر يطيب به الفؤاد. يجد أنساً وسكينة، وطمأنينة لا تمنحها الشاشات. لقد نبّهنا الحق سبحانه وتعالى إلى قيمة الوقت، فقال: "وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ". (سورة العصر: الآيات 1-3). وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ". (رواه البخاري عن ابن عباس). فيا أيها السائر، ألا تدرك أن الساعات التي تذهب لا تعود؟ العمر رأس مالك. استبدل ما يفني بما يبقى، وما يشغل بما ينفع. ففي ذكر الله الطمأنينة، وفي القرب منه تستقر الروح، وتنار البصيرة. اجعل لحظاتك نوراً يضيء دربك، لتعيش حياة الأنس والسكينة.