الحلقة الثامنة: الدولة الإدريسية وتأسيس فاس بينما كانت آثار ثورة الأمازيغ ضد الحكم الأموي لا تزال حاضرة في المغرب، كانت أحداث كبرى تتفجر في المشرق ستغيّر مجرى تاريخ المنطقة بشكل جذري. فبعد سقوط الدولة الأموية سنة 750 ميلادية وقيام الدولة العباسية، سعى العباسيون إلى تصفية كل من تبقى من نسل الأمويين وخصومهم السياسيين، ومن بين هؤلاء كان إدريس بن عبد الله، أحد أحفاد الحسن بن علي بن أبي طالب، والذي شارك في انتفاضة "فخ" ضد العباسيين قرب مكة سنة 786 ميلادية. بعد فشل تلك الانتفاضة ومقتل معظم قادتها، نجا إدريس بن عبد الله وهرب غربًا عبر مصر ثم ليبيا، إلى أن وصل أخيرًا إلى منطقة المغرب الأقصى سنة 788 ميلادية، بعيدًا عن قبضة العباسيين. وهناك، في مدينة وليلي (فولوبيليس الرومانية سابقًا)، استقبلته قبيلة أوربة الأمازيغية بترحاب كبير، متأثرة بنسبه الشريف المتصل بآل بيت النبي ﷺ، وبايعته إمامًا وحاكمًا عليها. سرعان ما بدأت قبائل أمازيغية أخرى من مختلف أنحاء المغرب تنضم إلى إدريس وتبايعه، معلنة بذلك ميلاد أول دولة مستقلة موحدة في تاريخ المغرب الإسلامي، بعيدة عن أي تبعية مباشرة لبغداد. لكن هذا النجاح السريع أثار قلق الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي أرسل من يدس السم لإدريس الأول سنة 791 ميلادية، فاستُشهد تاركًا زوجته حاملاً بولده الذي سيصبح مؤسس الدولة الحقيقي: إدريس الثاني. وُلد إدريس الثاني بعد وفاة والده بأشهر، وتولى الحكم فعليًا وهو لا يزال صبيًا، تحت وصاية مستشار موثوق يُدعى "راشد"، إلى أن بلغ سن الرشد وتولى مقاليد الأمور بنفسه. أثبت إدريس الثاني قدرات سياسية وعسكرية لافتة، ووسّع نفوذ الدولة الإدريسية لتشمل مساحات واسعة من المغرب، لكن أهم إنجازاته على الإطلاق كان تأسيسه مدينة فاس سنة 808 ميلادية تقريبًا، والتي جعل منها عاصمة جديدة لدولته. لم تكن فاس مجرد عاصمة سياسية، بل تحوّلت سريعًا إلى مركز ديني وثقافي بارز، خاصة بعد أن استقبلت موجتين مهمتين من المهاجرين: عائلات من القيروان في تونس استقرت في حي عُرف لاحقًا بـ"عدوة القرويين"، وعائلات أندلسية من قرطبة استقرت في حي "عدوة الأندلس"، وهو التمازج الذي أعطى فاس طابعها الحضاري الفريد الذي جمع بين تأثيرات المشرق والأندلس والهوية الأمازيغية المحلية. من أبرز إرث هذه الحقبة أيضًا تأسيس جامع ومدرسة القرويين سنة 859 ميلادية على يد فاطمة الفهرية، وهي سيدة من أصل قيرواني استقرت في فاس، لتصبح هذه المؤسسة لاحقًا واحدة من أقدم الجامعات في العالم، ومركزًا علميًا سيستقطب طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي لقرون طويلة. بعد وفاة إدريس الثاني، تقاسم أبناؤه الحكم فيما بينهم، مما أدى تدريجيًا إلى تفكك وحدة الدولة وضعف سلطتها المركزية أمام قوى إقليمية صاعدة، لكن الإرث الإدريسي ظل حاضرًا بقوة في الذاكرة المغربية، إذ تُعتبر هذه الدولة أول كيان سياسي موحّد نسب إليه المغاربة لاحقًا تأسيس هويتهم السياسية والدينية المستقلة. 📌 في الحلقة القادمة: كيف نشأت حركة المرابطين من قلب الصحراء، ومن هو يوسف بن تاشفين الذي أسّس مدينة مراكش وغيّر خريطة غرب إفريقيا والأندلس؟