الحلقة الثالثة عشرة: دولة المرينيين وفاس الجديد بعد هزيمة الموحدين الكبرى في معركة العقاب سنة 1212 ميلادية، دخلت دولتهم في مسار تراجع لم يتوقف، إذ فقدوا تباعًا معاقلهم في الأندلس أمام تقدم الممالك المسيحية، بينما بدأت سلطتهم المركزية في المغرب نفسه تتفكك تحت وطأة الانقسامات الداخلية وتمرد الولاة الإقليميين. وفي هذا المناخ من الضعف، برزت من شرق المغرب قبيلة أمازيغية زناتية كانت قد استقرت تدريجيًا في مناطق الشرق المغربي: بنو مرين. بدأ المرينيون، بقيادة زعمائهم الأوائل، بشنّ غارات وحملات ضد حاميات الموحدين الضعيفة، مستغلين معرفتهم بالبادية وقدرتهم القتالية العالية كقبيلة رعوية محاربة. تدريجيًا، انتقلوا من مجرد الإغارة إلى السيطرة الفعلية على المدن، إلى أن استولوا على فاس سنة 1248 ميلادية، ثم واصلوا التوسع حتى تمكن السلطان أبو يوسف يعقوب من الاستيلاء على مراكش نفسها سنة 1269 ميلادية، لينهي بذلك رسميًا حكم دولة الموحدين ويؤسس دولة بني مرين كقوة الحكم الجديدة في المغرب. اختار المرينيون مدينة فاس لتكون عاصمتهم الأثيرة، على عكس أسلافهم المرابطين والموحدين الذين فضّلوا مراكش. لكن بدل الاكتفاء بالمدينة القديمة (فاس البالي)، اتخذ السلطان أبو يوسف يعقوب قرارًا معماريًا وسياسيًا بارزًا: بناء مدينة ملكية جديدة بالكامل ملاصقة لفاس القديمة، أُطلق عليها اسم "فاس الجديد" (المدينة البيضاء)، لتكون مقرًا للسلطان وحاشيته وجيشه وإدارته، بعيدًا عن الازدحام والتعقيدات السياسية للمدينة العتيقة ذات النفوذ الديني والتجاري القوي. ضمت فاس الجديد القصر الملكي الكبير الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم، إضافة إلى أحياء عسكرية وإدارية، وأصبحت لاحقًا موطنًا لأحد أقدم الأحياء اليهودية المنظمة في العالم الإسلامي، المعروف باسم "الملاح"، الذي يعكس مكانة الجالية اليهودية في الحياة الاقتصادية والإدارية للدولة المرينية. لم يكتفِ المرينيون بالإنجازات السياسية والعسكرية، بل تركوا إرثًا علميًا وثقافيًا بارزًا، تجسّد بشكل خاص في ازدهار نظام "المدارس"، وهي مؤسسات تعليمية دينية وفقهية متخصصة، أشهرها على الإطلاق مدرسة بوعنانية في فاس، التي تُعد تحفة معمارية ومركزًا علميًا بارزًا حتى اليوم بزخارفها الدقيقة من الجبس والخشب المنحوت والزليج الملون، معلنة عن ذروة جديدة في الفن المعماري المغربي المتميز عن الطراز الموحدي السابق. سياسيًا وعسكريًا، حاول المرينيون في عدة مناسبات استعادة النفوذ في الأندلس ومساعدة ممالك بني الأحمر في غرناطة ضد الزحف المسيحي المتصاعد، لكن دون أن يحققوا نجاحًا دائمًا يوقف تراجع الوجود الإسلامي هناك بشكل نهائي. أما داخليًا، فقد شهدت الدولة المرينية في القرن الرابع عشر الميلادي فترة ذروة سياسية واقتصادية في عهد السلطان أبي الحسن، الذي وسّع نفوذه شرقًا ليشمل تونس لفترة وجيزة، قبل أن يبدأ التراجع التدريجي مجددًا. 📌 في الحلقة القادمة: كيف آلت السلطة الفعلية إلى الوزراء الوطاسيين في ظل ضعف السلاطين المرينيين، وكيف بدأت الأطماع البرتغالية والإسبانية تتهدد السواحل المغربية؟