*مأساة سكك حديد الجزيرة.. القضيب الذي عجزت جنوب أفريقيا عن صهره والقاطرة التي بكى عليها صانعها وبيت المفتش الذي تدمر*... بقلم: *م/ أحمد عباس حلمي* في مشروع الجزيرة كان هناك بنك منسي.. لم يكن بنك القطن، بل بنك الحديد. (1300) كيلومتر من القضبان، و6 قاطرات.. ظلت تعمل (100) سنة في الطين والماء، ثم بعناها في يوم واحد كخردة. *أولا*: القضيب الذي لا يصدأ، عندما مد الإنجليز سكة حديد الجزيرة سنة (1923)، كانوا يعلمون أنها لن تسير في صحراء جافة مثل سكة عطبرة، بل ستمشي داخل الطين والمياه 6 شهور في السنة. الحديد العادي يموت في طين الجزيرة في سنتين.. يأكله الصدأ والملح. فطلبوا من مصانع شيفيلد في إنجلترا سبيكة خاصة.. فولاذ فيه نسبة عالية من المنجنيز والكروم والنيكل.. نفس السبيكة التي تصنع منها اليوم جنازير الدبابات وبدن الغواصات.. لأنها لا تصدأ ولا تنكسر، وهي سبيكة حربية سرية. القضيب الواحد وزنه (45) كيلو في المتر.. ظل (100) سنة في الطين والماء.. جدك استلمه سنة (1925)، وأبوك مشى عليه سنة (1975)، وكان يجب أن تسلمه لابنك سنة (2025).. لا صدأ ولا كسر. كنا جنملك أكثر من (100) ألف طن من الفولاذ النادر المقاوم للطين.. بنك سبائك لا يصدأ. *ثانيا*: بيعه لجنوب أفريقيا.. والفضيحة، جاءت عقلية الغنى السريع، ونظرت إلى (1300) كلم من الفولاذ النادر وقالت: خردة. فباعت (100) ألف طن بثمن بخس (200) دولار للطن.. واشترتها دولة جنوب أفريقيا. وجنوب أفريقيا دولة تصنع السلاح النووي وتصهر الحديد منذ (100) سنة.. أخذت القضبان إلى أفرانها في جوهانسبرج لتصهرها وتحولها إلى سيخ بناء. ففشلت الأفران. القضيب لم ينصهر. درجة انصهاره أعلى من الحديد العادي بـ (400) درجة. حاولت مصانعهم، فتعطلت أفرانهم. اضطروا أن يرسلوا عينة إلى إنجلترا إلى مصنع شيفيلد الأصلي لفك شفرة السبيكة.. فجاء الرد من الإنجليز: *هذه ليست خردة*.. *هذه سبيكة عسكرية سرية صنعت خصيصا لمشروع الجزيرة بموجب عقد (1923) ولا تباع في السوق كيف تحصلتم عليها*..؟؟؟ عندها فقط عرفت جنوب أفريقيا أنها اشترت كنزاً.. فصهرته بطريقة خاصة. بعنا (100) ألف طن بسعر الخردة (20) مليون دولار.. لو حافظنا عليه كخام سعره اليوم (200) مليون دولار.. ولو حولناه نحن إلى قضبان مقاومة للطين وصدرناه لأفريقيا الطينية من السنغال إلى موزمبيق، كنا سنبيع الطن مصنعاً بـ 5000 دولار.. 500 مليون دولار.. نصف مليار.. من قضبان كنا نسميها خردة. *ثالثا:* قاطرة هانسنت.. المتحف الذي قطعناه، ولم تكن القضبان وحدها.. كانت هناك 6 قاطرات صغيرة تمشي على هذه السكة الضيقة. عندما طلبت إدارة الجزيرة قاطرات تمشي في الطين، كلفت شركة (Hunslet) الإنجليزية في ليدز.. أعرق شركة قاطرات في العالم.. بصناعتها. وأول إنتاج خرج من مصنع هانسنت كان هو هذه القاطرات الست التي أرسلت للسودان سنة (1924) وتحمل أرقام (1 إلى 6). يعني قاطرات الجزيرة كانت أول مولود لشركة هانسنت.. مثل أول سيارة خرجت من مصنع مرسيدس. ظلت تعمل (80) سنة في طين الجزيرة.. تنقل القطن من الغيط للمحلج.. من نفس سبيكة القضيب التي لا تصدأ. ثم جاءت نفس اليد وقطعتها بالمنشار وباعتها مع القضبان خردة بالكيلو. عندما علمت شركة هانسنت في ليدز أن أول إنتاجها في التاريخ قطع خردة في السودان.. أرسلت رسالة رسمية لإدارة مشروع الجزيرة تقول فيها: "*نأسف بشدة.. هذه القاطرات ليست خردة.. هذه هي شهادة ميلاد شركتنا.. تمنينا لو أن السودانيين وضعوها في متحف.. نحن في ليدز نحتفظ بأول مسمار صنعناه في متحفنا.. وأنتم قطعتم أول قاطرة صنعناها.*" الإنجليز الذين صنعوها قبل (100) سنة اعتبروها متحفا.. ونحن الذين ورثناها مجاناً اعتبرناها خردة. تاجر الخردة اشترى القاطرة بـ (2000) دولار كحديد.. وشركة هانسنت نفسها كانت ستدفع مليون دولار لاستعادتها لتضعها في متحفها في ليدز. *رابعا:* بيوت المفتشين.. البنك الثالث الذي خربناه، وكان هناك البنك الثالث المنسي.. (106) بيت مفتش غيط مبنية على طراز واحد منذ سنة (1925). البيت لم يكن سكناً.. كان مدرسة إدارية ونظام عمل كامل. مواصفات البيت الأصلي: المساحة الكلية (800) متر مربع (40م × 20م) سور كامل، المباني (220) متر مربع والباقي جنينة ومخزن بذور ومكتب للمزارعين. مبني على أعلى نقطة في التفتيش ليرى الغيط كله من البلكونة، وتوجيهه بحري حتى يضرب الهواء كل الغرف. الحوائط طوب أحمر (50) سم (طوبتين) مونة طين ورمل.. بارد صيفا دافئ شتاء. السقف خشب فلنكة (Sleeper Wood) من نفس خشب سكة حديد الجزيرة، فوقه حصير وقش وطبقة طين (20) سم.. عازل حرارة طبيعي لا يحتاج مكيف (100) سنة. الارتفاع (4.20) متر.. لذلك البيت يتنفس. الأبواب والشبابيك.. الكنز الذي سرق: الخشب تيك بورمي أصلي (Teak Wood) مستورد من بورما.. الخشب الوحيد الذي لا يأكله النمل ولا الماء ولا الطين.. نفس خشب قاطرة هانسنت. الباب الرئيسي باب واحد ضخم (120) سم عرض × (220) سم ارتفاع من التيك الصافي سمك (6) سم فيه (4) حشوات. الشبابيك (12) شباك كل شباك (150سم × 150سم).. درفتين خشب تيك + درفتين نملي خارجي.. ليدخل الهواء ولا يدخل الناموس. سعر الباب الواحد من التيك البورمي الأصلي اليوم (2000) دولار.. والبيت فيه (8) أبواب = (16) ألف دولار خشب فقط. البلاط الذي لا يتآكل: بلاط أسمنتي ملون يدوي (Cement Tiles) مقاس (25سم × 25سم) منقوش إنجليزي سمك (3) سم مصنوع في مصنع الخرطوم بحري سنة (1924). هذا البلاط لا يتآكل (100) سنة ولا يتزحلق مع الماء. المتر منه اليوم كأنتيك سعره (100) دولار.. البيت فيه (200) متر بلاط = (20) ألف دولار. التكلفة: سنة (1925) تكلفة البيت كانت (1200) جنيه مصري = (1500) جنيه استرليني = مرتب المفتش الإنجليزي (4) سنوات. اليوم لو بنيته بنفس المواصفات.. (800) متر أرض + (220) مباني بطوب (50) سم + (8) أبواب تيك بورمي + (12) شباك تيك + (200) متر بلاط أسمنتي إنجليزي + سقف فلنكات.. التكلفة لا تقل عن (150) ألف دولار. نحن أجرناه بـ (500) ألف جنيه في الشهر.. وخلعنا بابه وشباكه وبعناها حطبا، وقلعنا بلاطه الإنجليزي الذي لا يتآكل (100) سنة وبعناه سيراميكا مستعملا. اليوم لو أردت أن تعيد مشروع الجزيرة.. أين يسكن المفتش؟ لا يوجد بيت.. المفتش يسكن في الحصاحيصا ويركب مواصلات ليصل الغيط بعد أن شرب القطن العطش. نحن لم نخرب بيوتاً.. نحن خربنا نظام (100) سنة من أن المفتش يعيش في غيطه ويعرف الأرض شبر شبر. *الخاتمة*: مفتش الجزيرة كان يعرف الأرض شبراً شبراً لأنه بناها (100) سنة جيل يسلم جيل وبيته كان في غيطه يرى القطن من شباكه. وعامل عطبرة كان يسهر على قاطرة لأنه يعرف أنها ستسلم لابنه. أما نحن.. فبعنا القضيب الذي لا يصدأ والذي عجزت دولة نووية عن صهره إلا بعد فك شفرته من إنجلترا.. وبعنا القاطرة التي هي شهادة ميلاد شركة إنجليزية فبكى عليها صانعها.. وخربنا بيت المفتش المبني من تيك بورمي وبلاط إنجليزي لا يتآكل (100) سنة. بعنا ما كان طويل النجاد رفيع العماد كثير الرماد إذا ما شتى.. فبقينا نحن بلا نجاد ولا عماد ولا رماد. ألم أقل لكم أننا لا نعرف قيمة الأشياء..