الحلقة السادسة عشرة: أحمد المنصور الذهبي وذروة القوة السعدية بعد انتصاره الكاسح في معركة وادي المخازن سنة 1578، اعتلى أحمد المنصور عرش الدولة السعدية في أوج قوتها ومهابتها الدولية، وقد أصبح اسمه يتردد في بلاطات أوروبا كملك انتصر على إمبراطورية أوروبية كاملة وأسقط عرشها. استغل المنصور هذه المكانة الدبلوماسية الجديدة ببراعة لافتة، فأقام علاقات متوازنة مع القوى الأوروبية المتنافسة آنذاك، إنجلترا إليزابيث الأولى من جهة، وإسبانيا الكاثوليكية من جهة أخرى، محافظًا على استقلالية القرار المغربي دون الانحياز الكامل لأي طرف، ومستفيدًا من التنافس بينهما لصالح مصالح بلاده التجارية والعسكرية. جلب هذا التوازن الدبلوماسي الذكي للمغرب ثروة تجارية كبيرة، خاصة عبر تصدير السكر الذي كانت مزارعه في منطقة سوس من أهم مصادر الدخل آنذاك، إضافة إلى استيراد الأسلحة النارية والمدافع الحديثة من أوروبا، مما عزز القوة العسكرية للدولة السعدية بشكل كبير. لكن الإنجاز الأكثر إثارة وجرأة في عهد أحمد المنصور كان قراره التوسع جنوبًا عبر الصحراء الكبرى، في مغامرة عسكرية غير مسبوقة في التاريخ المغربي. كانت إمبراطورية سونغاي، الواقعة في منطقة غرب إفريقيا (تشمل أجزاء من مالي والنيجر الحاليتين)، تسيطر على مناجم الملح والذهب الغنية في تمبكتو وغاو، وهي موارد أثارت أطماع أحمد المنصور الذي رأى فيها مصدرًا لتعزيز خزينته وتوسيع نفوذه. في سنة 1591 ميلادية، أرسل المنصور حملة عسكرية جريئة عبر الصحراء الكبرى، بقيادة قائد أندلسي الأصل يُدعى جودر باشا، مكوّنة من عدة آلاف من الجنود المسلحين ببنادق وأسلحة نارية حديثة، في تحدٍ لوجستي هائل تطلّب عبور مئات الكيلومترات من الرمال القاحلة. ورغم أن جيش سونغاي كان أكبر عددًا بكثير واعتمد على المحاربين التقليديين بالرماح والسيوف، فإن التفوق التقني للأسلحة النارية المغربية حسم المعركة الفاصلة قرب مدينة تنداعي بسرعة لافتة، وسقطت عاصمة سونغاي غاو، ثم تمبكتو، تحت السيطرة المغربية. حصل أحمد المنصور بذلك على كميات هائلة من الذهب والعبيد، مما زاد من ثروته وعزز لقبه "الذهبي" الذي اشتهر به بين معاصريه. استخدم أحمد المنصور هذه الثروة المتدفقة في تشييد مشاريع معمارية باذخة في مراكش، أبرزها قصر البديع، الذي كان تحفة معمارية فخمة استُخدم فيها الرخام الإيطالي والذهب السوداني بكميات كبيرة، واستُقبلت فيه وفود دبلوماسية من مختلف أنحاء أوروبا وإفريقيا، في مشهد يعكس المكانة الدولية التي بلغها المغرب في تلك الحقبة الذهبية. لكن هذا التوسع الصحراوي، رغم مكاسبه المادية الفورية، أثبت مع الوقت أنه عبء استراتيجي طويل الأمد، إذ صعب على المغرب فرض سيطرة إدارية مستقرة على مناطق نائية بهذا الشكل عبر الصحراء، وبدأت تلك الأقاليم بالتفكك تدريجيًا بعد فترة. وفي سنة 1603 ميلادية، توفي أحمد المنصور، تاركًا خلفه دولة في أوج قوتها ظاهريًا، لكنها كانت مقبلة على أزمة خلافة داخلية عنيفة بين أبنائه، ستمهّد الطريق لنهاية الحكم السعدي وظهور سلالة جديدة ستحكم المغرب حتى يومنا هذا: الأسرة العلوية. 📌 في الحلقة القادمة: كيف قامت الدولة العلوية، ومن هو السلطان مولاي إسماعيل الذي بنى مكناس وجعلها عاصمة إمبراطورية مهيبة؟