ما أحقرَ الدنيا! وما أقصرَ عمرَها! وما أسرعَ انقضاءَ لذَّاتِها! بالأمس كانوا بيننا يضحكون ويخطِّطون ويؤمِّلون واليوم قد صاروا تحت أطباقِ الثرى لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا وانقطع عنهم كل شيءٍ إلا آثارُ أعمالهم فيا طالبَ الدنيا إلى متى تُؤخِّرُ التوبة؟ وإلى متى تغترُّ بصحَّةٍ قد يَعقُبُها مرض وشبابٍ قد يُدركه هَرَم وحياةٍ لا تدري متى تُطوى صحيفتُها؟ إنَّ الموتَ لا يستأذنُ أحدًا ولا يفرِّقُ بين صغيرٍ وكبير ولا بين غنيٍّ وفقير وإنما يأتي في الساعة التي كتبها الله ف غدًا يُغلَقُ عليك بابُ قبرٍ ضيِّق ويُتركُ خلفَك كلُّ ما كنتَ تتنافسُ عليه مالُك ومنصبُك وشهرتُك وكلُّ ما ألهى قلبَك ولن يبقى معك إلا عملٌ صالحٌ عملٌ يُؤنسُ وحشتَك أو ذنبٌ يُثقِلُ كاهلَك فيا نفسُ ازهدي في دنيا زائلة فإنها دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرٍّ وتزوَّدي لدارٍ لا موتَ فيها ولا رحيل واعلمي أنَّ أعظمَ الخسارة أن يخرجَ المرءُ من الدنيا ولم يُصلح ما بينه وبين ربِّه فإن جاءَ دَوري للمماتِ فإنَّني رَضِيتُ بحُكمِ اللهِ ربِّ البريَّةِ سأمضي وحيدًا لا صديقٌ مُؤانِسٌ ولا جاهُ دنيا لا ولا كثرةُ العِدَّةِ وليسَ يُجيرُ المرءَ يومَ رحيلِهِ سوى صالحِ الأعمالِ عندَ المنيَّةِ ف اللهم اجعل قبورنا روضةً من رياض الجنة ولا تجعلها حفرةً من حفر النار واختم لنا بالحسنى وثبِّتنا عند السؤال وارزقنا حسنَ الختام