منشور في مجموعة

حكايات قلم
أنور سعدان

أنور سعدان

@soufyansaad42_e859b1 · 31‏/08‏/2026، 8:38 ص

كتاب (قبل أن تغلق الصفحة) الفصل الأول (الإنسان الذي نحاول أن نكونه) منذ أن يبدأ الإنسان بفهم العالم من حوله، يبدأ سؤال صغير بالنمو داخله: من أنا؟ قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه من أصعب الأسئلة التي يمكن أن يواجهها الإنسان. فالإنسان لا يولد وهو يعرف شخصيته كاملة، ولا يعرف ماذا يريد من الحياة، ولا يملك إجابات جاهزة عن مستقبله. يكبر... ويتغير... ويتعلم... ويخطئ... ثم يكتشف شيئًا فشيئًا أنه لا يزال يحاول فهم نفسه. بين الإنسان الذي نريده والإنسان الذي نحن عليه هناك دائمًا صورتان داخل الإنسان. الصورة التي يعيشها الآن، والصورة التي يتمنى أن يصل إليها. قد يقول: أريد أن أكون أكثر ثقة. أريد أن أنجح. أريد أن أكون شخصًا يعتمد عليه الآخرون. أريد أن أتعلم. أريد أن أكون قريبًا من عائلتي. أريد أن أعيش حياة لها معنى. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الرغبات مجرد أمنيات. فنحن لا نتغير لأننا نتمنى التغيير. نتغير عندما تبدأ أفعالنا اليومية في التغير. الإنسان ليس نسخة جاهزة أحيانًا ينظر الإنسان إلى نفسه ويقول: "أنا هكذا." وكأن شخصيته شيء مغلق لا يمكن تغييره. أنا عصبي. أنا كسول. أنا لا أستطيع الدراسة. أنا لا أستطيع التحدث أمام الناس. أنا لا أنجح. أنا دائمًا أفشل. لكن بعض هذه الجمل ليست حقائق. قد تكون مجرد وصف لحالتك الحالية. وهناك فرق كبير بين: "أنا لا أستطيع." و: "لم أتعلم كيف أفعل ذلك بعد." الأولى تغلق الباب. أما الثانية فتتركه مفتوحًا. لكن التغيير ليس سهلًا من السهل أن نقول للإنسان: "غيّر نفسك." لكن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك. هناك أسرة. ومدرسة. ومال. ومجتمع. وظروف اقتصادية. وأشخاص يؤثرون فينا. وأحداث لم نخترها. ولهذا لا ينبغي أن نحكم على الناس بسرعة. قد ترى شخصًا لا يحقق ما تتوقعه منه، ولا تعرف المعركة التي يعيشها في داخله. لكن فهم الظروف لا يعني أن الإنسان بلا مسؤولية. حتى عندما تكون الظروف صعبة، تبقى هناك أشياء يستطيع الإنسان محاولة تغييرها. ولو كانت صغيرة. أول مسؤولية: أن تعرف نفسك قبل أن تسأل: "ماذا أريد أن أصبح؟" اسأل: "ماذا أريد أصلًا؟" ما الأشياء التي تهمني؟ ما القيم التي أريد أن أعيش بها؟ ما الأشياء التي أرفض أن أفعلها مهما كان الثمن؟ ما نقاط قوتي؟ ما نقاط ضعفي؟ ما الأشياء التي أهرب منها؟ وما الأخطاء التي أكررها؟ هذه الأسئلة ليست امتحانًا. ولا تحتاج إلى إجابة كاملة اليوم. فالإنسان يكتشف نفسه طوال حياته. لا تجعل الناس يكتبون شخصيتك بدلًا منك من أكبر المشكلات أن يعيش الإنسان وفق توقعات الآخرين. قد يريد الأهل شيئًا. والأصدقاء شيئًا آخر. والمجتمع شيئًا ثالثًا. ثم يجد الإنسان نفسه يسأل: "وماذا أريد أنا؟" الاستماع إلى النصيحة مهم. واحترام الأسرة مهم. لكن حياتك لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة مستمرة لإرضاء الجميع. ستجد دائمًا شخصًا غير راضٍ عن اختيارك. لذلك تعلم أن تسمع... ثم تفكر... ثم تختار مسؤولًا عن قرارك. المقارنة في الماضي كان الإنسان يقارن نفسه بعدد محدود من الأشخاص حوله. اليوم يستطيع أن يرى مئات الأشخاص خلال دقائق. شخص اشترى سيارة. شخص سافر. شخص بدأ مشروعًا. شخص أصبح مشهورًا. شخص يحقق نتائج ممتازة. ومع كثرة المقارنات، قد يبدأ الإنسان في الاعتقاد أن الجميع يتقدمون إلا هو. لكن ما تراه على الشاشة ليس حياة الإنسان كاملة. أنت ترى النتيجة. ولا ترى دائمًا السنوات التي سبقتها. ترى الصورة. ولا ترى كل ما حدث خارجها. لذلك لا تجعل حياة الآخرين مقياسًا وحيدًا لقيمتك. النجاح ليس سباقًا واحدًا لا يوجد جدول واحد للحياة يجب أن يسير فيه الجميع. قد يبدأ شخص العمل في سن مبكرة. وقد يكمل شخص آخر دراسته. وقد يغير شخص مجاله بعد سنوات. وقد يحتاج آخر إلى وقت أطول بسبب ظروفه. التأخر عن شخص آخر لا يعني أنك فشلت. السؤال الأهم: هل أنت تتقدم مقارنةً بما كنت عليه؟ الخطأ جزء من التعلم من أكثر الأشياء التي يخاف منها الإنسان أن يخطئ أمام الآخرين. لأنه لا يخاف الخطأ وحده. بل يخاف نظرة الناس إليه بعد الخطأ. لكن الشخص الذي لا يسمح لنفسه أبدًا بالمحاولة خوفًا من الفشل قد يعيش في مكانه طويلًا. الخطأ لا يعني دائمًا أنك غير قادر. أحيانًا يعني أنك جربت شيئًا لم تتقنه بعد. المهم أن تتعلم منه. المسؤولية هناك فرق بين تفسير الخطأ والهروب منه. يمكن أن تقول: "كانت ظروفي صعبة." وقد يكون ذلك صحيحًا. لكن بعد ذلك يجب أن تسأل: "ما الشيء الذي أستطيع فعله الآن؟" المسؤولية لا تعني أن تلوم نفسك على كل شيء. بل أن تعرف الجزء الذي تستطيع التحكم فيه. وهذا الجزء هو نقطة البداية. لا تحتاج إلى تغيير حياتك في يوم واحد قد يقرر الإنسان فجأة: من الغد سأصبح شخصًا مختلفًا تمامًا. سأدرس ساعات طويلة. سأقرأ كل يوم. سأتعلم مهارة. سأغير كل عاداتي. ثم بعد أيام قليلة يتعب ويتوقف. لأن التغيير الكبير يحتاج إلى بناء تدريجي. ابدأ بشيء تستطيع الاستمرار عليه. صفحات قليلة. وقت محدد. عادة واحدة. قرار واحد. ثم ابنِ فوقه. الإنسان الذي تراه في المرآة في النهاية، لن تستطيع أن تهرب من نفسك. يمكنك تغيير مكانك. وأصدقاءك. ووظيفتك. ومظهرك. لكن إذا لم تفهم نفسك، فقد تأخذ مشكلاتك معك إلى المكان الجديد. لهذا يبدأ التغيير الحقيقي من الداخل. ليس من محاولة أن تبدو مختلفًا أمام الناس. بل من محاولة أن تصبح مختلفًا عندما لا يراك أحد. بداية الرحلة ربما لا تعرف الآن أين ستكون بعد عشر سنوات. ولا بأس. لا أحد يعرف كل تفاصيل مستقبله. لكن تستطيع أن تعرف شيئًا واحدًا: ما الخطوة التي يمكنك اتخاذها اليوم؟ تعلم شيئًا. أصلح خطأ. اعتذر لشخص. اقرأ. اسأل. ساعد. توقف عن عادة تؤذيك. ابدأ عادة أفضل. الخطوة الصغيرة لا تبدو مهمة عندما تنظر إليها وحدها. لكن السنوات تُبنى من الأيام. والأيام تُبنى من القرارات الصغيرة. وهذا الكتاب ليس محاولة ليخبرك كيف تعيش كل لحظة من حياتك. بل محاولة لأن يجعلك تنظر إلى حياتك بعيون أكثر وعيًا. لأن الإنسان قد يقضي سنوات وهو يسير... ثم يكتشف أنه لم يسأل نفسه يومًا: إلى أين أنا ذاهب؟ ومن هنا تبدأ الرحلة.

001

تابع النقاش داخل Dridoud

سجّل الدخول للانضمام إلى المجموعة والتفاعل مع منشوراتها.

فتح المجموعة في Dridoud
كتاب (قبل أن تغلق الصفحة) الفصل الأول (الإنسان الذي نحاول أن نكونه) منذ أن يبدأ الإنسان بف… | Dridoud